لسان الدين ابن الخطيب

211

الإحاطة في أخبار غرناطة

المعلّى ، وعادت قرطا تتزيّن به الآذان وتتحلّى : وفي الشرق كأس وفي مغاربها * قرط وفي وسط السماء قدم هذه آثار التواضع متلوّة السّور ، مجلوّة الصّور ، وكان بعضهم إذا أعطى الصّدقة ، يعطيها ويده تحت يد السّائل ، وهكذا تفهم المسائل . فإنه لما سمع النبوة تقول : اليد العليا خير من اليد السّفلى ، أراد أن يؤثر المقام الأعلى . ولما أعطى أبو بكر ، رضي اللّه عنه ، ماله كله ، أعطى عمر ، رضي اللّه عنه ، النصف من المال ، لا احتياطا على ماله ، ولكن ليقف لأبي بكر في مقام القصور عن كماله ، تفويضا وتسليما ، وتنبيها لمن كان له قلب وتعليما . ورؤي الدّارقطني ، رحمه اللّه عليه ، يحبس أباه بركابه ، فلا ينكر عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : رأيته يبادر إلى فضيلة ، فكرهت مخالفته : [ البسيط ] فوق السماء وفوق الزّهر ما طلبوا * وهم إذا « 1 » ما أرادوا غاية نزلوا وإلى هذا وصل اللّه حفظك ، وأجزك من الخيرات حظّك ، فإنه وصلتني الكرّاسة المباركة ، الدّالّة على التفنن في العلوم والمشاركة ، فبينما أنا أتلو الإجازة ، وأريق صدور البيان وإعجازه ، ألقي إليّ كتاب كريم ، إنه من أبي الوليد ، وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فحرت ، ووقفت كأنني سحرت ، وقلت : ساحران تظاهرا معا ، وأحدهما قاتلي ، فكيف إذا اجتمعا : [ الطويل ] فلو كان رمحا واحدا لاتّقيته * ولكنه رمح وثان وثالث ومن لعبت بشيمته المثاني * فأحرى أن تطير به المثالث « 2 » وطار بي الشوق كلّ مطار ، وقرأت سماء فكرتي سورة الانفطار ، وكدت أصعد إلى السماء توقّدا ، واختلط بالهواء تودّدا : [ الكامل ] كانت جواهرنا أوائل قبل ذان * فالآن صارت بالتحول ثوان وجدت وراء الحسن وهي كثيفة * فوجودهن الآن في الأذهان ولم يكف أن بهرت بالحسن الخلوب ، حتى أمرت أن أنظم على ذاك الأسلوب ، وبالحريّ لذلك النثر البديع ، الحريريّ أو البديع ، ولذلك النّظم العجيب ، المتنبي أو حبيب ، ولذلك التصوف الرقيق ، الحارث بن أسد ذي التحقيق . وأما الحديث ، فما لك تقطع تلك المسالك ، إلّا أن العربية ليس لأحد معه فيها دليل ،

--> ( 1 ) في الأصل : « وإذا » وكذا ينكسر الوزن . ( 2 ) هذا البيت على البحر الوافر .