لسان الدين ابن الخطيب
212
الإحاطة في أخبار غرناطة
أستغفر اللّه إلّا للخليل ، لكن أصول الدين مجريّة ، تركت تلك الميادين . هنّاك اللّه جمع كل منقبة جليلة ، فترى الفضيلة لا تردّ فضيلة ، فمر الرديف وقد ركب غضنفرا ، أو المدّعي صفة فضل ، وكلّ الصّيد في جوف الفرا « 1 » . من يزحم البحر يغرق ، ومن يطعم الشجر يشرق . وهل يبارى التوحيد بعمل ، أو يجارى البراق بجمل ؟ ذلك انتهى إلى سدرة المنتهى ، وهل انبرى ليلطم خدّه في الثرى ؟ لا تقاس الملائكة بالحدّادين ، ولا حكماء يونان بالفدادين . أفي طريق الكواكب يسلك ، وعلى الفلك الأثير يستملك ؟ أين الغد من الأمس ، وظلمة الغسق من وضح الشمس ؟ ولولا ثقتي بغمام فضلك الصّيّب ، لتمثلت لنفسي بقول أبي الطيب « 2 » : [ الطويل ] إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق * أراه غباري ثم قال له ألحق « 3 » فإن رضيت أيها العلم ، فما لجرح إذا أرضاكم . ألم تر كيف أجاري أعوج بمغرب أهوج وأجاري ذا العقال بجحش في عقال ؟ ظهر بهذه الظّلمة ، ذلك الضياء ، وبضدّها تتبين الأشياء . وما يزكو بياض العاج حتى يضاف إلى سواد الأبنوس . ألفاظ تذوب رقّة ، وأغراض تملك حبّ الكريم ورقّة الزّهر ، والزّهر بين بنان وبيان ، والدرّ طوع لسان وإحسان : [ الوافر ] وقالوا ذاك سحر باهليّ « 4 » * فقلت وفي مكان الهاء باء وأما محاسن أبي الوليد ، فيقصر عنها أبو تمام وابن الوليد : [ المتقارب ] معان لبسن ثياب الجمال * وهزّت لها الغانيات القدودا كسون عبيدا ثياب عبيد * وأضحى لبيد لديها بليدا وكيف أعجب من إجرائك لهذه الجياد ، وأياديك من إياد ؟ أورثت هذه البراعة المساعدة ، عن قسّ بن ساعدة ؟ أجدّك أنت الذي وصف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أورق ، وهو يقول أيها الناس : مطر ونبات ، وآباء وأمهات ، إلى قوله : [ مجزوء الكامل ] في الذاهبين الأوّلي * ن من القرون لنا بصائر
--> ( 1 ) قوله : « كلّ الصّيد في جوف الفرا » مثل يضرب لمن يفضّل على أقرانه . والفرا : الحمار الوحشي ، وجمعه فراء . مجمع الأمثال ( ج 2 ص 136 ) . ( 2 ) هو بيت من قصيدة مؤلفة من 43 بيتا ، وهو في ديوان المتنبي ( ص 362 ) . ( 3 ) يقول : إذا أراد سيف الدولة أن يسخر بأحمق من الشعراء أراه أثر المتنبي ، ثم أمره أن يلحق به ، لأنه لا يقدر على ذلك . والغبار واللحاق استعارة من سباق الخيل . ( 4 ) في الأصل : « بأهلي » .