لسان الدين ابن الخطيب

210

الإحاطة في أخبار غرناطة

وسيمها : [ الطويل ] محيّاك أم نور الصباح تبسّما * وريّاك أم نور الأقاحي « 1 » تنسّما فمن شمّ من ذا نفحة رقّ شيمة * ومن شام من ذا لمحة راق مبسما ؟ أجل خلق الإنسان من عجل . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لتفهموا أسرار الحكم وتعوا ، وإذا رأيتم رياض الجنّة فارتعوا ، يعني مجالس الذّكر ، ومأنس النظر والفكر ، ومطالع المناظرة ، ومواضع المحاضرة ، فهذه بتلك ، وقد انتظمت الجواهر النبوية في سلك ، ولهان حمى للعطارة وطيس ، بين مسك المداد وكافور القراطيس . فيا أيها المعلم الأوحد ، والعالم الذي لا تنكر إمامته ولا تجحد ، حوّمت على علم الملوك ، ولزمت بحلم طريق الحكم المسلوك ، فلم تعد أمل الحكماء ، ولم تعد إلّا بعمل العلماء ، وقد قال حكيمهم الفاضل ، وعظيمهم الذي لا مناظر له ولا مفاضل : إذا خدمت الأمراء فكن بين استلطاف واستعطاف ، تجن المعارف والعوارف دانية القطاف ، فتعلّمهم وكأنك تتعلّم منهم ، وترويهم وكأنك تروي عنهم ، فأجريت الباب ، وامتريت من العلم اللّباب ، ثم لم تبعد ، فقد فعل النحويون ذلك في يكرم ، ويعد ، ويعزّ ، ولا غرو أن تقرأ على من هو دونك ، وتستجيز الإجازة عن القوم العظام يقصدونك . فهذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قد أمره اللّه بأن يقرأ على أبيّ بن كعب ، فهل في حيّ الخواطر الذكية من حيّ ؟ فقال له ، رضي اللّه عنه : اللّه أمرك أن تقرأ عليّ ، والعناية الرّبانية تنادي إليّ إليّ ، وإذا قال لي : من أحبّ مولاي ، واستعار لزينته حلاي : فما على الحبيب من اعتراض * وللطّبيب تصرّف في المراض « 2 » قد يرحل المرء لمطلوبه * والسبب المطلوب في الرّاحل « 3 » عجت متواضعا ، فما أبرمت في معاجك ، ولا ظلمت في السؤال نعجته إلى نعاجك ، فإنه سرّ اللّه ، لا يحلّ فيه الإفشاء ، وحكمة اللّه البالغة ، واللّه يؤتي الحكمة من يشاء ، وإن لبست من التواضع شعارا ، ولبست عن الترفع تنبيها على السّر المكتوم وإشعارا ، فهذه الثريّا من العجائب إذا ارتفعت في أعلى صعودها ، وأسمى راياتها الخافقة وبنودها ، نهاية وجودها الحسّي عدم ، وغاية وصفها الشّبهي أن تشبّه بقدم ، فإذا همّت بالركوع ، وشمّت في المغرب ريح الوقوع ، كان لها من السّمو القدح

--> ( 1 ) في الأصل : « الأقاح » . ( 2 ) المراض : جمع مرض وهو ذو المرض . محيط المحيط ( مرض ) . ( 3 ) هذا البيت على البحر السريع .