لسان الدين ابن الخطيب
26
الإحاطة في أخبار غرناطة
من عدا أهل الملك ، عن الوفاء بأثمانها ، منها ما يغلّ في السنة الواحدة نحو الألف من الذّهب ، قد غصّت الدكاكين بالخضر الناعمة ، والفواكه الطيّبة ، والثمر المدّخرة ، يختصّ منها بمستخلص السلطان « 1 » ، المرور طوقا على ترائب بلده ما بينهن منية ؛ منها الجنّة « 2 » المعروفة بفدّان الميسة ، والجنة المعروفة بفدّان عصام ، والجنة المعروفة بالمعروي ، والجنة إلى المنسوبة إلى قدّاح بن سحنون ، والجنة المنسوبة لابن المؤذّن ، والجنة المنسوبة لابن كامل ، وجنة النّخلة العليا ، وجنة النخلة السفلى ، وجنة ابن عمران ، والجنة التي إلى نافع ، والجرف الذي ينسب إلى مقبل ، وجنّة العرض ، وجنة الحفرة ، وجنة الجرف ، ومدرج نجد ، ومدرج السّبيكة « 3 » ، وجنّة العريف « 4 » : كلها لا نظير لها في الحسن والدّمانة « 5 » والربيع ، وطيب التربة ، وغرقد « 6 » السّقيا ، والتفاف الأشجار ، واستجادة الأجناس ، إلى ما يجاورها ويتخلّلها ، ممّا يختصّ بالأحباس الموقفة ، والجنّات المتملّكة ، وما يتصل بها بوادي سنجيل ما يقيّد الطّرف ، ويعجز الوصف ، قد مثلث منها على الأنهار المتدافعة العباب ، المنارة والقباب ، واختصّت من أشجار العاريات ذات العصير الثاني بهذا الصّقع ، ما قصرت عنه الأقطار . وهذا الوادي من محاسن هذه الحضرة ، ماؤه رقراق من ذوب الثلج ، ومجاجة الجليد ، وممرّه على حصى جوهرية ، بالنبات والظّلال محفوفة ، يأتي من قبلة علام البلد إلى غربه ، فيمرّ بين القصور النّجدية ، ذوات المناصب الرفيعة ، والأعلام الماثلة . ولأهل الحضرة بهذه الجنّات كلف ، ولذوي البطالة فوق نهره أريك من دمث الرمل ، وحجال من ملتفّ الدّوح ، وكان بها سطر من شجر الحور ؛ تنسب إلى مامل « 7 » ، أحد خدّام الدولة الباديسية ، أدركنا المكان ، يعرف بها .
--> ( 1 ) المراد بمستخلص السلطان أملاكه الخاصة . ( 2 ) الجنة بلغة أهل غرناطة تعني الحديقة أو البستان . ( 3 ) السبيكة : موضع خارج غرناطة ، كان الشعراء يتغنّون بها ، من أمثال أبي جعفر الإلبيري الرعيني وابن زمرك وغيرهما . راجع : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 37 ) . وقد ذكرها ابن صاحب الصلاة بدون ياء ، عند حديثه عن غدر إبراهيم بن همشك مدينة غرناطة فقال : « واحتل ابن همشك يوم دخوله غرناطة بالقصبة الحمراء التي في جبل السّبكة الموازية لقصبة غرناطة » . تأريخ المن بالإمامة ( ص 184 ) . ( 4 ) جنة العريف أو جنان العريف : بستان في خارج غرناطة ، يقع في أسفل الربوة التي ما يزال يقوم عليها قصر جنة العريف ، إلى الشمال الشرقي من قصر الحمراء ، وتسمى بالإسبانية Generalife . ( 5 ) الدمانة : الخصوبة . لسان العرب ( دمن ) . ( 6 ) الغرقد : شجر عظيم أو العوسج إذا عظم ، واحدته غرقدة . محيط المحيط ( غرقد ) . ( 7 ) مامل أو مؤمّل ، أحد خدّام ملك غرناطة باديس بن حبوس الذي حكم غرناطة من سنة 429 ه إلى سنة 467 ه . سمّي به شجر الحور ، فصار اسمه حور مؤمل أو حوز مؤمل ، وكان من -