لسان الدين ابن الخطيب

16

الإحاطة في أخبار غرناطة

ولمكان « 1 » استدبار الكنبانيّة واضطبار « 2 » البراجلات ؛ بحر من بحور الحنطة ، ومعدن للحبوب المفضلة ، ولمكان شلير ، جبل الثلج « 3 » ، أحد مشاهير جبال الأرض ، الذي ينزل به الثلج شتاء وصيفا ، وهو على قبلة منها على فرسخين ؛ وينساب منه ستة وثلاثون نهرا من فوّهات الماء ، وتنبجس من سفوحه العيون ، صحّ منها الهواء ، واضطردت في أرجائها وساحاتها المياه ، وتعدّدت الجنّات بها والبساتين ، والتفّت الأدواح ، وشمّر الرّوّاد على منابت العشب في مظانّ العقار مستودعات الأدوية والتّرياقيّة . وبردها لذلك في المنقلب الشتوي شديد ، وتجمد بسببه الأدهان والمائعات ، ويتراكم بساحاتها الثلج في بعض السنين ، فجسوم أهلها لصحّة الهواء صلبة ، وسحانهم خشنة ، وهضومهم قويّة ، ونفوسهم لمكان الحرّ الغريزي جريّة « 4 » . وهي دار منعة وكرسي ملك ، ومقام حصانة . وكان ابن غانية « 5 » يقول للمرابطين في مرض موته ، وقد عوّل عليها للامتساك بدعوتهم : الأندلس درقة ، وغرناطة قبضتها ؛ فإذا جشّمتم يا معشر المرابطين القبضة ، لم تخرج الدرقة من أيديكم . ومن أبدع ما قيل في الاعتذار عن شدّة بردها ، ما هو غريب في معناه ، قول شيخنا القاضي أبي بكر بن شبرين رحمه اللّه « 6 » : [ الطويل ] رعى اللّه من غرناطة متبوّءا * يسرّ كئيبا « 7 » أو يجير طريدا تبرّم منها صاحبي عندما « 8 » رأى * مسارحها بالبرد « 9 » عدن جليدا هي الثّغر صان اللّه من أهلت به * وما خير ثغر لا يكون برودا ؟

--> ( 1 ) كلمة « ولمكان » ساقطة في الأصل ، وقد أضفناها من اللمحة البدرية . ( 2 ) في اللمحة : « واضطبان » . ( 3 ) هو جبل شلير ، أحد مشاهير جبال الأرض ، وقد أسموه بجبل الثلج ؛ لأن الثلج لا يفارقه شتاء ولا صيفا . ويسمى بالإسبانية Sierra Nevada ، أي سلسلة الجبال الثلجية ، راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري ( ص 43 ) . ( 4 ) جريّة : أي جريئة . ( 5 ) هو أبو زكريا يحيى بن إسحاق المسوفي ، المعروف بابن غانية ، أمير مرسية وبلنسية وقرطبة وغرب الأندلس من قبل علي بن يوسف بن تاشفين المرابطي . قاوم الموحدين في أول استيلائهم على الأندلس فقتلوه سنة 543 ه . ( 6 ) الأبيات في تاريخ قضاة الأندلس ( ص 191 ) ، ونفح الطيب ( ج 1 ص 174 ) ، ورحلة ابن بطوطة ( ص 670 - 671 ) وجاء فيه أن قائل الأبيات هو أبو بكر محمد بن أحمد بن شيرين البستي نزيل غرناطة . وانظر أيضا : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 46 ) . ( 7 ) في رحلة ابن بطوطة والنفح : « حزينا » . ( 8 ) في تاريخ قضاة الأندلس : « بعدما » . ( 9 ) في رحلة ابن بطوطة والنفح : « بالثلج » .