لسان الدين ابن الخطيب

89

الإحاطة في أخبار غرناطة

لمكانه من اليمانيّة بقرطبة ؛ وداره بقرب قنطرتها ، كانت معروفة ؛ وهو بيت القيادة والوزارة ، والقضاء ، والكتابة ، والعمل ، وفيما يأتي ، وما مرّ كفاية من التنبيه عليه . حاله : قال الملّاحي : كان من جلّة الطلبة ، ونبهائهم ؛ وله حظّ بارع من الأدب ، وكتابة مفيدة ، وشعر مدوّن . قال أبو الحسن بن سعيد في كتابه المسمّى ب « الطالع » « 1 » : نشأ محبّا في الأدب ، حافظا للشعر ، وذاكرا لنظم الشريف الرّضي ، ومهيار ، وابن خفاجة ، وابن الزّقاق ، فرقّت طباعه ، وكثر اختراعه وإبداعه ؛ ونشأت معه حفصة بنت الحاجّ الرّكوني ؛ أديبة زمانها ، وشاعرة أوانها ، فاشتدّ بها غرامه ، وطال حبّه وهيامه ؛ وكانت بينهما منادمات ومغازلات أربت على ما كان بين علوة وأبي عبادة ؛ يمرّ من ذلك إلمام في شعر حفصة ، إن شاء اللّه . نباهته وحظوته : ولمّا وفدت الأندلس ، على صاحب أمر الموحّدين في ذلك الأوان ، وهو محتلّ بجبل الفتح « 2 » ، واحتفل شعراؤها في القصائد ، وخطباؤها في الخطب بين يديه ، كان في وفد غرناطة ، أبو جعفر هذا المترجم به ، وهو حدث السنّ في جملة أبيه وإخوته وقومه ، فدخل معهم على الخليفة ، وأنشده قصيدة ؛ قال أبو الحسن بن سعيد ، كتبت منها من خط والده قوله « 3 » : [ الطويل ] تكلّم فقد أصغى إلى قولك الدّهر * وما لسواك اليوم « 4 » نهي ولا أمر ورم كلّ ما قد شئته فهو كائن * وحاول فلا برّ يفوت ولا بحر وحسبك هذا البحر فألا « 5 » فإنه * يقبّل تربا داسه جيشك الغمر « 6 » وما صوته « 7 » إلّا سلام مردّد * عليك وعن بشر بقربك يفتر « 8 » بجيش لكي يلقى أمامك من غدا * يعاند أمرا لا يقوم له أمر

--> ( 1 ) هو كتاب « الطالع السعيد ، في تاريخ بني سعيد » . ( 2 ) جبل الفتح : هو جبل طارق ، وهنا يشير ابن الخطيب إلى الحصن الذي بناه عبد المؤمن بن علي في هذا الجبل سنة 555 ه ، وقد تولّى بناءه ابنه السيد أبو سعيد عثمان صاحب غرناطة ، وشاور فيه الحاج يعيش المهندس . الحلل الموشية ( ص 118 ) . ( 3 ) الأبيات في الحلل الموشية ( ص 118 - 119 ) وفيه أن قائلها هو أبو حفص بن سعيد العنسي . وورد منها في المغرب ( ج 2 ص 165 ) بيتان فقط هما الأول والرابع . ( 4 ) في المغرب : « الآن » . ( 5 ) في الحلل الموشية : « بالا » . ( 6 ) في الحلل الموشية : « النجر » . ( 7 ) في المغرب : « صوتها » . ( 8 ) في الحلل الموشية : « مفتر » . ورواية صدر البيت في المغرب هي : وفي كل قلب من تصعّدها ذعر