محمد بن اسحاق الخوارزمي

9

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية )

في تداولها ، والتعلّق بها ، وخرجوا في ذلك عمّا تقرّه الشريعة الإسلامية الغراء ، ولعلّ هذا ما حدا بشيخ الإسلام ابن تيمية إلى تأليف رسالته المعروفة « زيارة بيت المقدس » لما رآه من تجاوزات في تقديس هذه المدينة ؛ كالوقوف بها عشية عرفة في عيد الأضحى ، والطواف بالصخرة ، وغير ذلك من معتقدات العامة التي لا تستند إلّا إلى أقوال باطلة لا أصل لها باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، مما جعل ابن تيمية يصف هؤلاء العوام بالجهل والضلال . وقد تحدث كاتب آخر قدم من الأندلس إلى القدس في القرن الخامس الهجري « 476 ه » ، وهو أبو بكر الطرطوشى عن هذا الإفراط في النظر إلى قداسة القدس ، فقال : « وقد كنت ببيت المقدس ؛ فإذا كان يوم عرفة ، حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد ، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء ، كأنه موطن عرفة » . ويسجل ابن هشام الأنصاري ، عبد اللّه بن يوسف بن أحمد ، المتوفى 761 ه ، في كتابه « تحصيل الأنس لزائر القدس » مبلغ هذا التردى ، ويعدد أمورا يذكرها أهل البلد ، يغرون بها العوام ورعاع الناس ، كلها أكاذيب وترهات ، أدى إلى القول بها قلة الدين ، وذكر ما يلي في مخطوطته : « وقد بلغني أن قوما من الجهلاء يجتمعون يوم عرفة بالمسجد ، وأن منهم من يطوف بالصخرة ، وأنهم ينفرون عند غروب الشمس ، ويرجعون القهقرى ، وكل ذلك ضلال وأضغاث أحلام » . وتبعه كذلك ابن سرور المقدسي ، المتوفى سنة 765 ه ، في كتابه « مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام » فيقول : « قاتل اللّه القصاصين والوضاعين » . ثم يحذر ابن الحاج في « المدخل » من كثير من هذه البدع ، فيقول : « وليحذر مما يفعله بعضهم من هذه البدعة المستهجنة وهو أنهم يطوفون بالصخرة كما يطوفون بالبيت العتيق . وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة خلف الصخرة حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين : الكعبة ، والصخرة . واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة ، فمن نوى ذلك فهو بدعة ، بل ينوى استقبال