عمر بن محمد ابن فهد
30
إتحاف الورى بأخبار أم القرى
قريش الذي يطعم إنسها في السهل ووحشها في الجبل . فقال : إيذن له - وكان عبد المطلب رجلا جسيما - فأذن له فدخل عليه ، فلما أن رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته ، وكره أن يجلسه معه على سريره ؛ فنزل من سريره فجلس على الأرض ، وأجلس عبد المطلب معه ، ثم قال له : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي مائتا بعير أصابتها لي مقدّمتك . فقال أبو يكسوم : لقد رأيتك فأعجبتنى ، ثم تكلمت فزهدت فيك . فقال له : ولم أيها الملك ؟ قال : لأنى جئت إلى بيت هو منعتكم من العرب ، وفضلكم في الناس ، وشرفكم عليه ، ودينكم الذي تعبدون ؛ فجئت لأكسره ، وأصبت لك مائتي بعير ، فسألتك عن حاجتك فكلمتنى في مالك ، ولم تطلب إلىّ في دينكم « 1 » وبيتكم ! / فقال له عبد المطلب : أيها الملك إنما أكلمك في مالي ، ولهذا البيت ربّ هو يمنعه ، ولست أنا منه في شئ . فراع ذلك أبا يكسوم ، وأمر بردّ إبل عبد المطلب عليه ثم رجع . وأمست ليلتهم تلك ليلة كالحة نجومها ، كأنها تكلمهم كلاما لاقترابها منهم ، فأحسّتهم أنفسهم بالعذاب ، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم . وقام الأشعريون وخثعم فكسّروا رماحهم وسيوفهم ، وبرئوا إلى اللّه تعالى أن يعينوا على هدم البيت ، فباتوا كذلك بأخبث ليلة . ولما رجع عبد المطلب إلى قريش أخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة ، والتحرّز في شعف الجبال والشعاب ؛ خوفا عليهم من معرة الجيش « 2 » .
--> ( 1 ) وفي م ، ه « ولم تطلب إلى في بيتك » . ( 2 ) أخبار مكة للأزرقى 1 : 145 ، وسيرة النبي لابن هشام 1 : 33 ، وسبل الهدى والرشاد 1 : 254 ، وتاريخ الخميس 1 : 189 .