الذهبي
55
الأمصار ذوات الآثار
اللّه ، والمتوكل على اللّه بن يعقوب بن المتوكل على اللّه « 1 » . وقبل الانتقال إلى بيان فشو العلم وشيوعه في باقي الملوك ، والخلفاء ، والحكام في ديار الإسلام أجدني مضطرا لإظهار وبيان اهتمام الخلفاء الأمويين ، والعباسيين بعلم الحديث خاصة ، لأنه هو لب هذه المقدمة ، وأساسها ، وسأفعل مثل ذلك إن شاء اللّه تعالى في كل دولة يتيسر لي معلومات عن اهتمام أصحابها بعلم الحديث . فالأمويون برز فيهم علماء كبار في الحديث ، وهم معاوية بن أبي سفيان - وناهيك به - وعبد الملك بن مروان ، وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، ولا حاجة لتفصيل أمرهم في ذلك لأنهم عاشوا في عهد كان هذا العلم فيه رأس العلوم . وأما العباسيون فقد اهتم كثير من خلفائهم بعلم الحديث ، وأولوه عظيم عنايتهم : فأبو جعفر المنصور كان طلّابة للعلم ، والحديث قبل الخلافة ، قال الصولي : « كان المنصور أعلم الناس بالحديث ، والأنساب ، مشهورا بطلبه » « 2 » ، وقال ابن كثير : « كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه ، والحديث ، والفقه ، فنال جانبا جيدا ، وطرفا صالحا ، وقد قيل له يوما : يا أمير المؤمنين هل بقي شيء من اللذات لم تنله ؟ قال : شيء واحد ، قالوا : وما هو ؟ قال : قول المحدث للشيخ : من ذكرت « 3 » رحمك اللّه ؟ فاجتمع وزراؤه وكتابه ، وجلسوا حوله وقالوا : ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث ، فقال : لستم بهم ، إنما هم الدّنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ،
--> ( 1 ) من رام تفصيل ذلك فلينظر تاريخ الخلفاء للسيوطي . ( 2 ) تاريخ الخلفاء 179 . ( 3 ) كان من عادة أئمة الحديث إذا جلسوا للإملاء أن يستفتح المستملي المجلس بالبسملة والحمدلة ، والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يقبل على المحدث ويقول : من ذكرت رحمك اللّه ، أو نحوه فيبدأ الشيخ بالإملاء . انظر علوم الحديث لابن الصلاح 219 .