الذهبي
56
الأمصار ذوات الآثار
الطويلة شعورهم ، رواد الآفاق ، وقطاع المسافات ، تارة بالعراق ، وتارة بالحجاز ، وتارة بالشام ، وتارة باليمن ، فهؤلاء نقلة الحديث » « 1 » . وقال محمد بن سلّام الجمحي : « قيل للمنصور : هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله ؟ قال : بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث ، يقول المستملي : من ذكرت رحمك اللّه قال : فغدا عليه الندماء ، وأبناء الوزراء بالمحابر ، والدفاتر ، فقال : لستم بهم ، إنما هم الدّنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، برد الآفاق ، ونقلة الحديث » « 2 » . بل إن المنصور أوصى ابنه المهدي بتلقي الحديث ونقله ، ومجاورة أهله فقال : « يا بني لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك ، فإن الزهري قال : علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال ، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم ، وصدق أخو زهرة » « 3 » . والمهدي بن المنصور روى الحديث ، وروي عنه . وهارون الرشيد طلب العلم ، واهتم به قبل الخلافة ، وبعدها ، قال القاضي الفاضل في بعض رسائله : « ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد ، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه اللّه . . . ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية . . . ولا أعلم لهما ثالثا » « 4 » . والمأمون طلب العلم من صغره ، وسمع الحديث من جماعة من الأئمة ، وكان أعلم خلفاء بني العباس ، فصيحا ، فقيها ، بارعا في العربية ، وأيام الناس ، وعني بعلوم الأوائل ، وكانت عنده حافظة قوية مستحضرة ، فقد قال
--> ( 1 ) البداية والنهاية 10 / 126 . ( 2 ) تاريخ الخلفاء 177 . ( 3 ) البداية والنهاية 10 / 126 . ( 4 ) تاريخ الخلفاء 195 .