الذهبي

103

الأمصار ذوات الآثار

محمد بن عبد اللّه ، فأثرى مكتبة القصر بمجموعات كبيرة من الكتب جمعت له من الآفاق . ثم تولى الملك من بعده ابنه الخليفة الحكم المستنصر بن عبد الرحمن بن محمد فتقدمت في عهده الحركة العلمية تقدما عظيما لم يعهد من قبل في الأندلس ، فقد أنشأ المدارس الكثيرة ، حتى صار معظم أهل قرطبة متعلمين ، وشغف بجمع الكتب شغفا لم يبلغه أحد من أسلافه ، فقد أرسل الوفود الكثيرة إلى دمشق ، وبغداد ، والقاهرة ، وخراسان وغيرها من البلاد ينتقون له الكتب ، ويشترونها ، كما كان له وراقون في كثير من مدن المشرق يستنسخون له الكتب النفيسة ، والأسفار الثمينة ، حتى استطاع أن يجعل مكتبة القصر في قرطبة من أعظم مكتبات الدنيا ، وكان كثير من علماء الشرق والغرب يهدون كتبهم للحكم المستنصر لما يرون من علمه ، وحبه للكتب ، وقد قدر عدد الأسفار في مكتبة القصر القرطبي ب 400000 وقيل 600000 مجلد . وقد أشار القلقشندي إلى عظم هذه المكتبة فقال : « ويقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن : إحداها : خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد . . . الثانية : خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر . . . الثالثة : خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس ، وكانت من أجل خزائن الكتب أيضا ، ولم تزل إلى انقراض دولتهم باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس ، فذهبت كتبها كل مذهب » « 1 » . أما ملوك الطوائف فقد اهتموا كثيرا بإنشاء المراكز العلمية ، وخاصة المكتبات . ففي إشبيلية كانت مكتبة بني عبّاد العظيمة . وفي بطليوس كانت مكتبة المظفر بن الأفطس الزاخرة بنفائس الأسفار .

--> ( 1 ) صبح الأعشى 1 / 467 .