محمد عبد المنعم خفاجي
411
الأزهر في ألف عام
عليها الأوقاف والرباع . فكان التدريس بتلك المدارس من الأماني التي يصبو إليها كل أستاذ وعالم . فكانت موضع منافستهم الدائمة . وما وافت نهاية القرن الثامن الهجري حتى كان الانتاج العلمي في أزهى عصوره ، وكثر عدد المدارس ومعاهد العلم التي كانت تقوم برسالتها بأمانة واخلاص بجانب الأزهر الذي لم يكن يستطيع مطاولتها في المرتبة ، فقد كان نصيبه من الأساتذة والعلماء لا يزال ضئيلا وكانت المدارس قد استأثرت بهم . وخلا الأزهر في تلك الحقبة من أعاظم العلماء المعاصرين أمثال سراج الدين البلقيني والمقريزي وجلال الدين السيوطي الذين كانوا يقومون بالتدريس في تلك المدارس . على أن الأزهر في ذلك الزمن لم يفقد ماله من عظيم الهيبة والمكانة ، بل كان لا يزال يحتفظ بمكانته العظيمة في النفوس ، لما كان يلقاه فيه الطلاب من الراحة واتساع الحلقات . ثم أخذت الحركة الفكرية تضمحل شيئا فشيئا ، فما وافى القرن العاشر حتى كانت المدارس قد أغلقت بذهاب دولة السلاطين حيث لم تجد من يرعاها بماله وهباته ، فقلت مواردها فهجرها مدرسوها وطلابها . ومما زاد الحال سوءا ضياع استقلال مصر ووقوعها تحت الحكم العثماني فقد قضى سليم شاه على ما بقي من مصر من حضارة وعلم وفن . وانتزع منها تحفها وآثارها وكتبها النفيسة ، وسلبها عمالها وعلماءها فتلاشت طبقتهم وانحط العلم والتعليم . ولم يكن نصيب الأزهر من ذلك بأقل من غيره ، فدبت فيه عوارض الضعف وأهملت فيه دراسة كثير من العلوم . وان كانت اللغة العربية قد وجدت فيه ملجأ ترتاح إليه وتستكن فيه ، إلى أن قيض اللّه لها الظهور والانتعاش بعد انقشاع الحكم العثماني عن مصر الذي رزحت تحت عبئه أمدا طويلا . كان لكل مذهب من المذاهب الأربعة عمود معين من عمد الجامع لا يتعدى عليه أحد ولا نشب عراك شديد . وكان شيخ المذهب هو المنوط