ابن الأجدابي

8

الأزمنه والأنواء

وقد بين أبو عثمان الجاحظ هذه الحاجة في كتاب الحيوان ، وأجاد في بيانها . قال : « ومن هذه الجهة « 1 » عرفوا الآثار في الأرض والرمل ، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء . لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس - حيث لا أمارة ، ولا هادي ، مع حاجته إلى بعد الشقة - مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه . ولحاجته إلى الغيث ، وفراره من الجدب ، وضنه بالحياة ، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث . ولأنه في كل حال يرى السماء ، وما يجري فيها من كوكب ، ويرى التعاقب بينها ، والنجوم الثوابت ، وما يسير منها مجتمعا ، وما يسير منها فاردا ، وما يكون منها راجعا ومستقيما » « 2 » . وكل ذلك دفع العرب ، منذ القديم ، أن يرجعوا البصر في السماء ، وينظروا فيها إلى النجوم ، ويرقبوا الشمس والقمر ، ليعلموا علم حركاتها ، ومواقع طلوعها وغروبها . فعرفوا من ذلك ، على مر الزمن ، أمورا كثيرة ، وربطوا بينها وبين حوادث الطبيعة ، وجعلوها مواقيت لها . حتى أنهم نظموا لحركة القمر وسيره في السماء منازل معروفة محدودة ، يجري القمر بينها في نظام معروف محدود . وراحوا ينسبون حوادث الطبيعة إلى طلوع هذه المنازل وغروبها وقت الفجر « 3 » . وعرفوا أيضا عددا وافرا من الكواكب الثابتة مع مطالعها ومغاربها . وجعلوا لها أشكالا وصورا . وسموها بأسماء خاصة ترد كثيرا في أشعارهم وأسجاعهم ، مثل الثريا والشعرى وسهيل والدبران والعيوق والفرقدين والسماكين وكشفوا أيضا أمر الكواكب السيارة ، وميزوها عن الكواكب الثابتة . وبذلك نشأ عندهم علم الأنواء والأزمنة .

--> ( 1 ) أي جهة الحاجة . ( 2 ) كتاب الحيوان 6 / 30 . وانظر الآثار الباقية للبيروني 332 . ( 3 ) كتاب الأنواء لابن قتيبة 7 .