ابن الأجدابي
47
الأزمنه والأنواء
ثم جاء الإسلام فثبّت ذلك ، وألزم به في الصّوم والفطر والحجّ . ووقع عليه التعويل والاحتساب به في التاريخ ، وفيما يحدث « 1 » ( في ) شهور العرب من المواقيت والآجال التي تجري بين الناس . قال الله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ، قُلْ : هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » « 2 » وقال رسول الله ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد ذكر شهر رمضان : لا تصوموا حتّى ترووا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه . فإن غمّ عليكم فاقدروا له « 3 » ، وفي رواية أخرى « فأكملوا العدّة ثلاثين » ، وهي مفسّرة للرواية الأخرى « 4 » . فحساب المفارقة ربما وافق الرؤية ، وربما خالفها « 5 » . وخلافه لها هو الأكثر . فيكون أوّل الشهر في حساب المفارقة متقدّما للرؤية بيوم في الأغلب ، وربما تقدّمها بيومين ، وهو قليل .
--> ( 1 ) في الأصل المخطوط : مجدد ، وهو تصحيف . ( 2 ) سورة البقرة 2 / 189 . ( 3 ) أنظر الحديث في الأنواء 129 ، والنهاية 3 / 193 ، 262 ، واللسان ( قدر ، غمم ) . غم عليكم : يريد غم عليكم الهلال ، أي إذا حال دون رؤيته غيم أو غيره فلم ير ، من غممت الشيء إذا غطيته . وفاقدروا له : أي قدر روا له المسير والمنازل ( الأنواء 129 ) . والتقدير له كما ذكر ابن قتيبة « أن يكون إذا غم على الناس ليلة ثلاثين ، في آخر شعبان ، بأن تعرف مستهله في شعبان لليلته . ويعلم أنه يمكث فيها سنة أسباع ساعة من أولها ، ثم يغيب . وذلك في أدنى مفارقته للشمس . ولا يزال في كل ليلة يزيد على مكثه في الليلة التي قبلها ستة أسباع ساعة . فإذا كان في الليلة السابعة غاب في نصف الليل . وإذا كان في ليلة أربع عشرة طلع مع غروب الشمس ، وغرب مع طلوعها . ثم يتأخر طلوعه عن أول ليلة خمس عشرة ستة أسباع ساعة . ولا يزال في كل ليلة يتأخر طلوعه عن الوقت الذي طلع فيه في الليلة التي قبلها ستة أسباع ساعة إلى أن يكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة . فإن لم ير صبح ثمان وعشرين علم أن الشهر ناقص ، وعدته تسعة وعشرون يوما . وإن رئي علم أن الشهر تام ، وعدته ثلاثون » . الأنواء 129 - 130 والأزمنة 2 / 366 - 367 . ( 4 ) ذكر ابن قتيبة أن هذا حديث آخر من رواية ابن عباس ناسخ للحديث الأول الذي هو من رواية ابن عمر . الأنواء 129 والأزمنة 2 / 367 . وانظر فصل ( ذكر القمر ) من باب النجوم السيارة الآتي من هذا الكتاب . ( 5 ) شرح أبو الريحان البيروني ذلك في تفصيل وفضل بيان في الآثار الباقية 65 - 66 ، قال : « فأما أصحاب الهيئة ومن تأمل الحال بعناية شديدة فإنهم يعلمون أن رؤية الهلال غير مطرد على سنن واحد ، لاختلاف حركة القمر المرئية بطيئة مرة وسريعة أخرى ، وقربه من الأرض وبعده ، وصعوده في الشمال والجنوب ، وهبوطه فيهما ، وحدوث كل واحد من هذه الأحوال له في كل نقطة من فلك البروج . ثم بعد ذلك لما يعرض من سرعة غروب بعض القطع من فلك البروج ، وبطء بعض ، وتغير ذلك على اختلاف عروض البلدان ، واختلاف الأهوية . . وتفاوت قوى بصر الناظرين إليه في الحدة والكلال . . . وإن ذلك كله يتفنن بتزايد عروض البلدان وتناقصها ، فيكون الشهر تاما في البلدان الشمالية مثلا ، وناقصا هو بعينه في الجنوب منها ، وبالعكس . ثم لا يجري ذلك فيها على نظم واحد ، بل يتفق فيها أيضا حالة واحدة بعينها لشهر واحد مرارا متوالية وغير متوالية . . »