زكريا القزويني
75
آثار البلاد واخبار العباد
امرأة عند قبر تقول : مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كلّ يوم وليلة * وتبقى كما تبلى وأنت حبيب كان ذلك سبب توبته . وقيل : إنّه ورث من أبيه أربعمائة درهم ، أنفقها ثلاثين سنة ، وصام أربعين سنة ، ما علم أهله أنّه صائم . وكان حرّازا يأخذ أوّل النهار غداءه معه إلى الدكان ، ويتصدّق به في الطريق ، ويرجع آخر النهار يتعشّى في بيته ، ولا يعلم أهله أنّه كان صائما . وكان له داية قالت : يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز ؟ قال : يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية ! وقال حفص بن عمر الجعفي : إن داود الطائي مرّ بآية يذكر فيها النار فكرّرها في ليلة مرارا ، فأصبح مريضا ، فوجدوه مات ورأسه على لبنة ، سنة خمس وستّين ومائة في خلافة المهدي . وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي ، الشاعر المفلق ، فاق على كلّ من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى ؛ قيل إنّه أنشد قصيدته في مدح المعتصم : ما في وقوفك ساعة من باس * تقضي ذمام الأربع الدّرّاس فلمّا انتهى إلى المديح قال : إقدام عمرو في سماحة حاتم * في حلم أحنف في ذكاء إياس قال بعض الحاضرين : مه ! من هؤلاء حتى تشبّه الخليفة بهم ؟ فأطرق أبو تمام هنيّة ثمّ رفع رأسه وقال : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس