زكريا القزويني
76
آثار البلاد واخبار العباد
فتعجّب الخليفة والحاضرون من قدرته على الكلام فولّاه الموصل . وحكى البحتري أنّه دخل على بعض الولاة ، ومدحه بقصيدة قرأها عليه ، قال : فلمّا تمّمتها قال رجل من الحاضرين : يا هذا أما تستحي تأتي بشعري وتنشده بحضوري ؟ قلت : تعني أن هذه القصيدة لك ؟ قال : خذها ! وجعل يعيدها إلى آخرها . قال : فبقيت لا أرى بعيني شيئا واسودّ وجهي ، فقمت حتى أخرج فلمّا شاهد مني تلك الحالة قام وعانقني وقال : الشعر لك وأنت أمير الشعراء بعدي ! فسألت عنه ، قالوا : هو أبو تمام الطائي . وينسب إليها حاتم الطائي ، وكان جوادا شاعرا شجاعا ، إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب ، وكان أقسم باللّه أن لا يقتل واحد أمّه ، وكان يقول لعبده يسار إذا اشتدّ كلب الشتاء : أوقد فإنّ اللّيل ليل قرّ * والرّيح يا واقد ريح صرّ عسى يرى نارك من يمرّ * إن جاءنا ضيف فأنت حرّ وقالوا : لم يكن يمسك إلّا فرسه وسلاحه . وحكي أنّه اجتاز في سفره على عترة ، فرأى فيهم أسيرا ، فاستغاث بحاتم ، فاشتراه من العتريّين وقام مقامه في القدّ حتى أدّى فكاكه . ومن العجب ما ذكر أن قوما نزلوا عند قبر حاتم ، وباتوا هناك وفيهم رجل يقال له أبو الخيبري ، يقول طول ليله : يا حفر أقر أضيافك ! فقيل له : مهلا ما تكلّم من رمّة بالية ! فقال : إن طيّئا يزعم أنّه لم ينزل به أحد إلّا قراه ! فلمّا نام رأى في نومه كأن حاتما جاء ونحر راحلته ، فلمّا أصبح جعل يصيح : وا راحلتاه ! فقال أصحابه : ما شأنها ؟ قال : عقرها حاتم بسيفه واللّه وأنا أنظر إليها حتى عقرها ! فقالوا : لقد قراك ! فظلّوا يأكلونها واردفوه ، فاستقبلهم في اليوم الثاني راكب قارن جملا ، فإذا هو عديّ بن حاتم فقال : أيّكم أبو الخيبري ؟ قالوا : هذا . فقال : إن أبي جاءني في النوم وذكر شتمك