زكريا القزويني
530
آثار البلاد واخبار العباد
الرّوم بلاد واسعة من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا وعجائب ذكرت في مواضعها . مياهها أعذب المياه وأخفّها ، وهواؤها أصحّ الأهوية وأطيبها ، وترابها أطيب الأتربة وأصحّها . ومن خواصّها نتاج الدوابّ والنعم . وليس في شيء من البلاد مثل مائها يحمل منها إلى سائر الآفاق ، وكذلك أصناف الرقيق من الترك والروم . وأهلها مسلمون ونصارى . وشتاؤها يضرب المثل به حتى وصفه بعضهم فقال : الشتاء بالروم بلاء وعذاب وعناء ! يغلظ فيها الهواء ويستحجر الماء ، تذوي الوجوه وتعمش العيون وتسيل الأنوف وتغيّر الألوان وتقشف الأبدان ، وتميت كثيرا من الحيوان . أرضها كالقوارير اللامعة وهواؤها كالزنابير اللاسعة ، وليلها يحول بين الكلب وهريره والأسد وزئيره ، والطير وصفيره ، والماء وخريره ، ويتمنّى أهلها من البرد الأليم دخول حرّ الجحيم ! وبلاد الروم بلاد واسعة ومملكة عظيمة ، ولبعدها عن بلاد الإسلام وقوّة ملكها بقيت على كفرها كما كانت ، وانّه أحد معجزات رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، انّه قال : أمّا فارس فلا نطحة أو نطحتان ثمّ لا فارس بعدها ! وأمّا الروم فإنّها ذات قرون كلما مرّ قرن يخلفه قرن آخر ! وأهل الروم سكّان غربي الإقليم الخامس والسادس ، ولبرد بلادهم ودخولها في الشمال ترى الغالب على ألوانهم البياض ، وعلى شعورهم الشقرة ، وعلى أبدانهم الصلابة . والغالب على طبعهم مباشرة اللهو والطرب ، لأنّ المنجّمين زعموا ان الروم تتعلّق بالزهرة . وحكي أن أهل الروم كانوا لا يملّكون إلّا من كان أكثرهم عقلا وأوفرهم علما وأصحّهم بدنا ، وإذا اختلّ منه شيء من هذه ملّكوا غيره وعزلوه ، وكانوا على هذا إلى أن أصاب ملكهم آفّة فهمّوا بعزله ، فقال الملك : اصبروا