زكريا القزويني

531

آثار البلاد واخبار العباد

عليّ زمانا فإن داويت مرضي فأنا أولى من غيري ، وإلّا فافعلوا ما شئتم ! فذهب إلى بلاد الشام ليتداوى بحمة كانت بها ، فرأى الملّة النصرانيّة قد ظهرت بها ، فأخذ جمعا من القسوس والرهابين ورجع بهم إلى الروم ، ودعا الناس إلى الملّة النصرانيّة ولم يزل يجيب قوم بعد قوم حتى صاروا أمّة واحدة . وحكي عن أهل الروم أنّهم يتّخذون صور الملوك والحكماء والرهابين يستأنسون بها بعد موتهم . ولهم في التصوير يد باسطة حتى يصوّرون صورة الإنسان ضاحكا وباكيا ، وصورته مسرورا وصورته حزينا . وحكي أن مصوّرا دخل بلدا ليلا ونزل بقوم فضيّفوه ، فلمّا سكر قال : إني صاحب مال ومعي كذا وكذا دينارا ، فسقوه حتى طفح وأخذوا ما كان معه وحملوه إلى موضع بعيد منهم . فلمّا أصبح ، وكان غريبا لم يعرف القوم ولا المكان ، ذهب إلى وإلي المدينة وشكا فقال له الوالي : هل تعرف القوم ؟ قال : لا . قال : هل تعرف المكان ؟ قال : لا . قال : فكيف السبيل إلى ذلك ؟ فقال الرجل : إني أصوّر صورة الرجل وصورة أهله فاعرضها على الناس لعلّ أحدا يعرفهم ! ففعل ذلك وعرض الوالي على الناس ، فقالوا : انّها صورة فلان الحمامي وأهله . فأمر بإحضاره فإذا هو صاحبه فاستردّ منه المال . ويقام بالروم سوق كلّ سنة أوّل الربيع أربعين يوما يقال لذلك السوق « بيله » يأتيها الناس من الأطراف البعيدة من الشرق والغرب والجنوب والشمال . والتجار يجهدون غاية جهدهم حتى يدركوا ذلك السوق ، فمتاع أهل الشرق يشتريه أهل المغرب وبالعكس ، ومتاع أهل الشمال يشتريه أهل الجنوب وبالعكس . ويقع فيه من المماليك والجواري التركية والرومية ، ومن الخيل والبغال الحسنة ، ومن الثياب الأطلس ، ومن السقلّاط ومن الفراء الفندر وكلب الماء والبرطاس ، ويدلسون تدليسات عجيبة . ومن عادة هذا السوق ان من اشترى شيئا فلا يردّه البتّة ؛ وحكي أن بعض التجّار اشترى مملوكا حسن الصورة بثمن بالغ ، فلمّا غاب عنه بائعه وجده جارية مستحسنة !