زكريا القزويني

521

آثار البلاد واخبار العباد

وبها زحمة وغلبة شديدة من كثرة الناس ، حتى لا فرق بين أسواقها ورستاقها على المارّين . وأمّا البرد فإنّه شديد عندهم جدّا حتى أن الإنسان إذا أراد إكرام غيره يقول : بت عندنا فإن عندنا نارا طيّبة ! وقد لطف اللّه تعالى بهم برخص الحطب ، يكون حمل عجلة بدرهمين . والغريب إذا خرج من بيته أوّل النهار مكشوف الوجه يضرب البرد وجهه فيسقط أنفه ! وأمّا أهل المدينة فقد عرفوا ذلك فلا يخرجون إلّا مستوري الوجه . ومن عجائبها زراعة البطيخ ، فإن المدينة تحيط بها رمال سائلة ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا ، شبه الرمال التي دون ديار مصر ، تنبت شوكا طويل الإبر يقال له بالعجميّة اشترغاز ، وهو الشوك الذي يقع عليه الترنجبين بأرض خراسان ، فإذا كان أوان زرع البطيخ يذهب أهل خوارزم إليها ، ويحجّر كلّ أحد قطعة من الأرض أيّ مقدار شاء لا ملك لأحد فيها ، ويشقّ أصول هذا الشوك وقضبانه ، ويدع فيها بزر البطيخ ويتركها ؛ فإن البزر ينبت فيها بنداوة الشوك ، ولا يحتاج أصحابها إلى السقي ولا إلى شيء من أعمال الزراعة . فإذا كان أوان البطيخ ذهبوا إليها ورأوا وجه الأرض ممتلئا من البطيخ الذي لا يوجد مثله في شيء من البلاد حلاوة وطيبا ، ويكون رخيصا جدّا لكثرته وقلّة مؤونته ، وقد يقدّد ويحمل إلى البلاد للهدايا . جنبذق قرية من أعمال المراغة ، بينها وبين قلعة روين دز فرسخ . بها بئر عجيبة يخرج منها حمام كثير ، فنصب على رأس البئر شبكة يقع فيها من الحمام ما شاء اللّه ، وهي بئر لا يدرى قعرها ؛ حكى بعض فقهاء المراغة أنّهم أرسلوا فيها رجلا ليعرف حال الحمام ، فنزل حتى زادت الحبال على خمسمائة ذراع ، ثمّ خرج فأخبر أنّه لم ير شيئا ، وأحسّ بهواء قويّ ، ورأى في آخرها ضوءا وشيئا كثيرا من الحيوانات الموتى .