زكريا القزويني
485
آثار البلاد واخبار العباد
لقد أتى همذان البرد فانطلق * وارحل على شعب شمل غير متّفق أرض يعذّب أهلوها ثمانية * من الشّهور بأنواع من الوهق فإن رضيت بثلث العمر فارض بها * وقد تعدّ إذا من أجهل الحمق إذا ذوى البقل هاجت في بلادهم * من جربيائهم مشّاقة الورق فالبرد يرمي سهاما ليس يمنعها * من المروق بلبس الدّرع والدّرق حتّى تفاجئهم شهباء معضلة * تستوعب النّاس في سربالها اليقق أمّا الغنيّ فمحصور يكابدها * طول الشّتاء مع اليربوع في نفق والمملقون بها سبحان ربّهم * ممّا يقاسون من برد ومن أرق فكلّ غاد بها أو رائح تعب * ممّا يكابد من برد ومن دمق فالماء كالصّخر والأنهار جامدة * والأرض عضّاضة بالضرس في الطّرق فإذا انتقلت الشمس إلى برج الحمل ، وقد امتلأت دروبهم من الثلج حتى سدّ عليهم الطرق ، جمعوا مياههم وأرسلوها إلى المدينة ، وحيطانها كلّها صخريّة ، فدخل الماء دروبهم ، ويحمل ما فيه من الثلج ويذهب به ، ويكون ذلك اليوم عيدا عظيما عندهم يسمّونه حمل بندان ، فصعدوا سطوحهم بالغناء والرقص في كلّ محلّة ، واتّخذوا من الثلوج شبه قلاع يرقصون عليها ، والماء يدخل عليهم ويرميهم ، وهم على تلّ الثلج ، فيقعون في وسط الماء والثلج ، فيدخل الماء دربا دربا حتى تنقى المدينة كلّها من الثلج . ومن عجائبها أسد من صخر على باب المدينة عظيم جدّا . حكى الكيا شيرويه أن سليمان بن داود ، عليه السلام ، اجتاز بموضع همذان ، قال : ما بال هذا الموضع مع كثرة مائه وسعة ساحته لا تبنى به مدينة ؟ قالوا : يا نبيّ اللّه إن ههنا لا يكون مقام الناس لأن البرد به شديد والثلج به يقع قدر قامة رمح . فقال ، عليه السلام ، لصخر الجني : هل من حيلة ؟ فقال : نعم يا نبيّ اللّه ؛ فاتّخذ