زكريا القزويني
486
آثار البلاد واخبار العباد
أسدا من صخر ونصبه طلسما للبرد وبنى مدينة همذان . وقال غيره : إنّه من عمل بليناس صاحب الطلسمات حين طلبه قباذ ليطلسم بلاده ، وكان الفارس يغرق في الثلج بهمذان ، فلمّا عمل هذا الأسد قلّ ثلجها . وقالوا : عمل على يمين الأسد طلسما للحيّات فقلّت ، وآخر للعقارب فنقصت ، وآخر للبراغيث فهي قليلة بها جدّا ؛ قال ابن حاجب يذكر الأسد : ألا أيّها اللّيث الطّويل مقامه * على نوب الأيّام والحدثان أقمت فما تنوي البراح بحيلة * كأنّك بوّاب على همذان أراك على الأيّام تزداد جدّة * كأنّك منها آخذ بأمان أقبلك كان الدّهر أم كنت قبله * فنعلم أم ربّيتما بلبان ؟ بقيت فما تفنى وآمنت عالما * سطا بهم موت بكلّ مكان فلو كنت ذا نطق جلست محدّثا * تحدّثنا عن أهل كلّ زمان ولو كنت ذا روح تطالب مأكلا * لأفنيت أكلا سائر الحيوان أحبّبت شرّ الموت أم أنت منظر * وإبليس حتى يبعث الثّقلان ؟ فلا هرما تخشى ولا الموت تتّقي * بمضرب سيف أو شباة سنان وحكي انّه لمّا كان سنة تسع عشرة وثلاثمائة ، عصى أهل همذان على مرداويج الديلمي ، وكان صاحب الجبال ، فدخل همذان ونهبها ، وسأل عن الأسد فقيل : انّه طلسم لدفع الآفات عن المدينة . فأراد حمله إلى الري فلم يتمكّن من ذلك ، فأمر بكسر يديه بالفطّيس . وقيل : إنّما كسر يديه لأن الدوابّ كانت تنفر منه . وحكي أن المكتفي باللّه نظر إليه فاستحسنه ، فأمر بنقله على عجلة تجرّها الفيلة إلى بغداد ، فهمّ عامل البلد بذلك ، فاجتمع وجوه تلك البلاد وقالوا : هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة . فكتب العامل بذلك إلى الخليفة وصعب عليه بعثه فعفا عنهم .