زكريا القزويني

439

آثار البلاد واخبار العباد

ذاك . وإذا رأى أحدا يقول : معك دنانير وزنها كذا ، اخرجها للفقراء ! فيخرجها فيكون كما قال . وحكي انّه طلب يوما من رجل تاجر شيئا ، وكان الرجل حنفيّا معتزليّا لا يقول بكرامات الأولياء ، فتخاشن في الجواب فحرد وشتم ، فقال له : المال الذي مع ابنك في السفر وقع عليه اللصوص الآن وأخذوه ! فازداد الرجل غيظا وشتما . قال : وابنك قد قتل على يد الحرامية ! فأرخوا ذلك فجاء الخبر بأخذ المال وقتل ابنه . وحكي انّه كان في رباط اربل ، فجاء الشيخ شهاب الدين عمر السهروردي إلى اربل ، فاستقبله أهل اربل فجاء إلى الرباط ودخل بين الجماعة ، ووقف على المصلّى يصلّي ركعتين والخفّ في رجليه . فلمّا رأى باك باز ذلك قال : أيّها الشيخ ، كيف تقف مع الخفّ على مصلّى المشايخ ؟ أليس هؤلاء القوم إذا رأوا منك ذلك اعتقدوا أنّه جائز في الطريقة ؟ فوثب عليه الصوفية وهم تلامذة الشيخ وأسبغوه ضربا ومدّوه برجله إلى خارج الرباط . فلمّا عرف الشيخ ذلك أنكر على الصوفية وقال : انّه كان على الصواب ، مرّوا إليه واعتذروا منه ! فمرّوا إليه فإذا هو قاعد في السوق على دكّة ، فاعتذروا مستغفرين فقال : ما جرى شيء يحتاج إلى العذر ، وإن جرى فأنتم في أوسع الحال . فقالوا : ارجع إلى الرباط إن أنت راض . فقال : إني كنت على عزم السفر وتوقّفي لإصلاح هذا المثقل لمداسي ، وإذا فرغ منه لبست وسافرت ! فعاد القوم إلى الرباط فعرف الحال الملك ، فأمر شيخ الرباط مع جميع الصوفيّة بالمشي إليه معتذرين ، فذهبوا وما أجابهم ، فقال الملك : أنا أمشي ! فركب وجاء إلى السوق ، وهو قاعد على دكّة والمثقل يعمل في نعله ، فقال : إني قد جئت شفيعا ، فاسلك مع القوم مسلك التصوّف وعد إلى المكان راضيا منافسا ! فقال : لا أرجع حتى تفعل ما أريده . فقال الملك : ما تريد ؟ قال : أريد ثلاثمائة دينار ! قال : لك ذلك ! قال : احضره الآن ! فأحضره وقال : أريد جوقتين من المغنين .