زكريا القزويني

426

آثار البلاد واخبار العباد

عدل عمر . قال الإصطخري : غرج الشار مدينتان ، يقال لإحداهما نشين وللأخرى سورمين ، وهما متقاربتان ولهما مياه كثيرة وبساتين . يحمل منهما الزيت والأرز إلى سائر البلاد . وحكى بعض التجّار قال : مشيت إلى غرشستان فاتّفق لهم غرس ، فوضعوا دستا عاليا وجاء الزوج وجلس فيه ، وأسبلوا على وجهه سجفا سخيفا شبه وقاية ، وجاء المغني يغني بالدفوف وغيرها ، وتأتي نساء أقاربهم وجيرانهم يرقصن بين يدي الزوج فرادى ومثنى وجماعة ، والزوج يراهن ويتفرّج على رقصهن حتى لا تبقى واحدة إلّا رقصت ، ثمّ تأتي العروس في الآخر وترقص بين يديه أحسن رقص ، ثمّ خلوا بينها وبينه . غريّان بناءان كالصومعتين بظهر الكوفة قرب مشهد أمير المؤمنين عليّ . بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء ، وسببه انّه كان له نديمان من بني أسد ، فثملا فراجعا الملك ببعض كلامه ، فأمر وهو سكران أن يحفر لهما حفرتان ويدفنا فيهما حيّين . فلمّا أصبح استدعاهما فأخبر بما أمضى فيهما فغمّه ذلك ، وقصد حفرتيهما وأمر ببناء طربالين عليهما وقال : لا يمرّ وفود العرب إلّا بينهما ! وجعل لهما في السنة يوم بؤس ويوم نعيم ، يذبح يوم بؤسه من يلقاه ويغري بدمه الطربالين ، فإن وقعت لهما الوحش طلبها بالخيل ، وإن وقع طائر أرسل عليه الجوارح . وفي يوم نعيمه يجيز من يلقاه ويخلع عليه . ولبث بذلك برهة من دهره ، فخرج يوما من أيّام بؤسه إذ طلع عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر ، جاء ممتدحا ، فلمّا رآه قال : هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد ؟ فقال بعض الحاضرين : أبيت اللعن ! عنده من حسن القريض ما هو خير ممّا تريد منه ! فاسمع فإن كان حسنا استزده وإن كان غير ذلك فالأمر بيدك . فأنزله حتى طعم وشرب وقال له :