زكريا القزويني

357

آثار البلاد واخبار العباد

وكان بيده إلى أن مات . وانقطع السبيل إليه إلى هذه الغاية . ومن العجائب ما ذكره ابن الفقيه انّه إلى جانب هذا الطاق شبيه بالدكان ، إذا لطخ بعذرة أو شيء من الأقذار ارتفعت في الحال سحابة فمطرت عليه حتى تغسله وتنظّفه ، وان ذلك مشهور عندهم لا يتمارى فيه اثنان . حلوان مدينة بين همذان وبغداد . كانت عامرة طيّبة والآن خراب ، وتينها ورمانها في غاية الطيب ، لم يوجد في شيء من البلاد مثلهما . وفي حواليها عدّة عيون كبريتيّة ينتفع بها من عدّة أدواء . وكان بها نخلتان مشهورتان على طريق السابلة ، وصل إليهما مطيع بن اياس فقال : أسعداني يا نخلتي حلوان * وابكيا لي من ريب هذا الزّمان واعلما أنّ ريبه لم يزل * يفرّق بين الألّاف والجيران واسعداني وأيقنا أنّ نحسا * سوف يأتيكما فتفترقان ! حكى المدائني أن المنصور اجتاز عليهما ، وكانت إحداهما على الطريق ضيّقت على الأحمال والأثقال ، فأمر بقطعها فأنشد قول مطيع فقال : واللّه لا كنت ذلك النحس ! ثمّ اجتاز المهدي بهما واستطاب الموضع ، ودعا لحسنه المغنيّة وقال لها : أما ترين طيب هذا الموضع ؟ غنّيني بحياتي ! فغنّت : أيا نخلتي وادي بوانة حبّذا * إذا نام حرّاس النّخيل جناكما ! فقال لها : أحسنت ! لقد هممت بقطع هاتين النخلتين فمنعتني . فقالت : أعيذك باللّه أن تكون نحسهما ! وأنشدت قول مطيع ، ثمّ اجتاز بهما الرشيد عند خروجه إلى خراسان وقد هاج به الدم بحلوان ، فأشار عليه الطبيب بأكل الجمّار ، فطلب ذلك من دهقان حلوان فقال : ليست أرضنا أرض نخل لكن