زكريا القزويني

358

آثار البلاد واخبار العباد

على العقبة نخلتان فاقطعوا إحداهما . فقطعوا . فلمّا اجتاز الرشيد بهما وجد إحداهما مقطوعة والأخرى قائمة وعليها مكتوب : واعلما إن بقيتما أنّ نحسا * سوف يأتيكما فتفترقان ! فاغتمّ الرشيد لذلك وقال : لقد عزّ عليّ ان كنت نحسهما ، ولو كنت سمعت هذا الشعر ما قطعت هذه النخلة ولو قتلني الدم ! فاتّفق انّه لم يرجع من ذلك السفر . الحويزة كورة بين واسط والبصرة وخوزستان في وسط البطائح في غاية الرداءة . كتب وفادار بن خودكام إلى صديق له كتابا من الحويزة : وما أدراك ما الحويزة ! دار الهوان ومنزل الحرمان ! ثمّ ما أدراك ما الحويزة ! أرضها رغام وسماؤها قتام ، وسحابها جهام وسمومها سهام ، ومياهها سمام وطعامها حرام ، وأهلها لئام ، وخواصّها عوام ، وعوامّها طغام ! لا يروي ريعها ولا يرجى نفعها ، ولا يمري ضرعها ولا يرعى زرعها ، ولقد صدق اللّه قوله فيها : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ! وأنا منها بين هواء وبيء وماء رديء ، وشباب غمر وشيخ غوي ، يتّخذون الغمر أدبا والزور إلى أرزاقهم سببا ، يأكلون الدنيا سلبا ويعدون الدين لهوا ولعبا ولو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا . إذا سقى اللّه أرضا صوب غادية * فلا سقاها سوى النّيران تضطرم ينسب إليها أبو العبّاس أحمد بن محمّد الحويزي . وكان من أعاجيب الزمان في الجمع بين الأمور المتضادة : كان ذا فضل وتمييز ، وجور وظلم مع إظهار الزهد والتقشّف والتسبيح الدائم والصلاة الكثيرة . وإذا عزل اشتغل بمطالعة