زكريا القزويني

319

آثار البلاد واخبار العباد

لا يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا ! وعن محمّد بن إسماعيل قال : سمعت شابّا يقول : ضربت لأحمد ثمانين سوطا لو ضربت فيلا لهدته فجرى دمه تحت الخشب ! ثمّ أمر بحبسه فانتشر ذكر ذلك واستقبح من الخليفة ، وورد كتاب المأمون من طرسوس يأمر بإشخاص أحمد . فدعا المعتصم عند ذلك أحمد وقال للناس : أتعرفون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم هو أحمد بن حنبل . قال : انظروا إليه ما به كسر ولا هشم . وسلّمه إليهم . وحكى صالح بن أحمد قال : دخلت على أبي وبين يديه كتاب كتب إليه : بلغني أبا عبد اللّه ما أنت فيه من الضيق ، وما عليك من الدين ، وقد بعثت إليك أربعة آلاف درهم على يد فلان ، لا من زكاة ولا من صدقة وإنّما هي من إرث أبي ! فقال أحمد : قل لصاحب هذا الكتاب : أمّا الدين فصاحبه لا يرهقنا ونحن نعافيه ، والعيال في نعمة من اللّه . قال : فذهبت إلى الرجل وقلت له ما قال أبي ، واللّه يعلم ما نحن فيه من الضيق . فلمّا مضت سنة قال : لو قبلناها لذهبت ! وحكى أحمد بن حرار قال : كانت أمّي زمنة عشرين سنة فقالت لي يوما : اذهب إلى أحمد بن حنبل وسله أن يدعو اللّه لي . فذهبت ودققت الباب فقالوا : من ؟ قلت : رجل من ذاك الجانب ، وسألتني أمّي الزمنة ان أسألك أن تدعو اللّه لها . فسمعت قائلا يقول : نحن أحوج إلى من يدعو اللّه لنا ! فوليت منصرفا فخرجت عجوز من داره وقالت : أنت الذي كلّمت أبا عبد اللّه ؟ قلت : نعم . قالت : تركته يدعو اللّه لها . فجئت إلى بيتي ودققت الباب ، فخرجت أمّي على رجليها تمشي وقالت : قد وهب اللّه لي العافية . وذكروا أن أحمد بن حنبل جعله المعتصم في حلّ يوم قتل بابك الخرّمي أو يوم فتح عمورية . وتوفي أحمد سنة إحدى وأربعين ومائتين عن تسع وسبعين سنة . وحكى أبو بكر المروزي قال : رأيت أحمد بن حنبل بعد موته في المنام في روضة ، وعليه حلّتان خضراوان وعلى رأسه تاج من نور ، وهو يمشي مشيا