زكريا القزويني
289
آثار البلاد واخبار العباد
أبيورد مدينة بخراسان بقرب سرخس ، بناها باورد بن جودرز ، وانّها مدينة وبيئة رديئة الماء ، من شرب من مائها يحدث به العرق المديني ، أمّا الغريب فلا يفوته البتّة ، وأمّا المقيم ففي أكثر أوقاته مبتلى به . ينسب إليها أبو عليّ الفضيل بن غياض ، كان أوّل أمره يقطع الطريق بين سرخس وأبيورد حتى كان في بعض الرّبط في بعض الليالي وفي الرباط قفل ، فيقول بعضهم : قوموا لنرحل ! فيقول البعض الآخر : اصبروا فإن الفضيل في الطريق ، فقال لنفسه : أنت غافل والناس يفزعون منك ، أعوذ باللّه من هذه الحالة ! فتاب وذهب إلى مكّة وأقام بها إلى أن مات . وحدّث سفيان بن عيينة : لمّا حجّ الرشيد ذهب إلى زيارة الفضيل ليلا ، فلمّا دخل عليه قال لي : يا سفيان أيّهم أمير المؤمنين ؟ فأومأت إليه وقلت : هذا ! فقال : أنت الذي تقلّدت أمر هذا الخلق بأحسن الوجه ، لقد تقلّدت أمرا عظيما ! فبكى الرشيد وأمر له بألف دينار فأبى أن يقبلها ، فقال : أبا علي ان لم تستحلها فأعطها ذا دين واشبع بها جائعا واكس بها عاريا ! فأبى ، فلمّا خرج الرشيد قلت له : أخطأت ، لو أخذت وصرفت في شيء من أبواب البرّ ! فأخذ بلحيتي وقال : أبا محمّد ، أنت فقيه البلد وتغلط مثل هذا الغلط ؟ لو طابت لأولئك لطابت لي ! وحكي أن الفضيل رؤي يوم عرفة على عرفات يبكي إلى آخر النهار ثمّ أخذ بلحيته وقال : واخجلتاه وإن غفرت ! ومضى . وحكي انّه كان في جبل من جبال منى فقال : لو أن وليّا من أولياء اللّه أمر هذا الجبل أن يمتدّ لا متدّ ! فتحرّك الجبل فقال الفضيل : اسكن لم أردك لهذا ! فسكن الجبل . ولد الفضيل بسمرقند ، ونشأ بأبيورد ، ومات بمكّة سنة سبع وثمانين ومائة .