زكريا القزويني

288

آثار البلاد واخبار العباد

مثلها ، وعندهم من ذلك كثير جدّا ، يحملونها إلى البلاد للبيع ويعلّقونها حتى يأكلوها طول شتائهم يتفكّهون بها . وأهلها أحسن الناس صورة كلّهم أهل السنّة ، لا يوجد فيهم إلّا كذلك . وفيهم أدباء وفضلاء ، ولهم اجتماع كلمة على دفع ظلم الولاة ، لا يغلبهم وال ، أي وقت رأوا منه خلاف عادة قاموا كلّهم قيام رجل واحد لدفعه . ينسب إليها الشيخ أبو بكر الطاهري كان من الابدال ، معاصر الشبلي . وله بأبهر رباط ينسب إليه ، وفي رباطه سرداب يدخل فيه كلّ جمعة ، ويخرج بأرض دمشق ويصلّي الجمعة بجامع دمشق ، وهذا حديث مشهور عندهم . وذكروا أن رجلا تبعه ذات يوم فإذا هو بأرض لم يرها أبدا ، والناس مجتمعون لصلاة الجمعة ، فسأل بعضهم عن ذلك الموضع فضحك وقال : أنت في دمشق وتسأل عنها ! فقام طالع المدينة فلمّا عاد لم يجد الشيخ هناك ، فجعل ينادي ويقول للناس ما جرى له ، فلا يصدقه أحد إلّا رجل صالح قال له : دع عنك هذا الجزع ، وانتظره يوم الجمعة المستقبلة ، فإذا حضر الشيخ ارجع معه ! فلمّا حضر الشيخ في الجمعة الأخرى تمسّك بذيله فقال له : لا تذكر هذا لأحد وأنا آخذك معي ! ثمّ أخذه معه وعاد به إلى مكانه ، وهذه حكاية مشهورة عنه بأبهر . وتنسب إليها سكينة الابهرية ، كانت في زمن الشيخ أبي بكر . وينسب إليها الوزير الفاضل الكامل أبو عمرو ، الملقّب بكمال الدين ، كان حاله شبيها بحال إبراهيم بن أدهم ، وكان وزيرا بقزوين ، وكان رجلا لطيفا فطنا شاعرا بالعربيّة والعجميّة ، محبّا لأهل الخير في زمان وزارته . فإذا في بعض الأيّام ركب في موكبه ومماليكه وحواشيه ، فلمّا خرج عن المدينة قال لمماليكه : أنتم أحرار لوجه اللّه ! ونزل عن الدابّة ولبس اللبّاد وذهب إلى بيت المقدس ، وكان يحمل الحطب على ظهره ، ثمّ عاد إلى الشام ، وكان بها إلى أن توفّي في سنة تسعين وخمسمائة .