زكريا القزويني
252
آثار البلاد واخبار العباد
اللهمّ أمّرهم بالغلام الثقفي ! يعني الحجّاج . وادّعى النبوّة منهم كثيرون . ولمّا قتل مصعب بن الزبير ، أرادت زوجته سكينة بنت الحسين الرجوع إلى المدينة ، فاجتمع عليها أهل الكوفة وقالوا : حسن اللّه صحابتك يا ابنة رسول اللّه ! فقالت : لا جزاكم اللّه عني خيرا ولا أحسن إليكم الخلافة ! قتلتم أبي وجدّي وعمّي وأخي ! أيتمتوني صغيرة وأرملتموني كبيرة ! تظلّم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال : ما علمت من عمّالي أعدل وأقوم بأمر الرعيّة منه ! فقال أحدهم : يا أمير المؤمنين ليس أحد أولى بالعدل والانصاف منك ! فإن كان هو بهذه الصفة فعلى الأمير أن يوليّه بلدا بلدا ليلحق كلّ بلدة من عدله ما لحقناه ، فإذا فعل الأمير ذلك لا يصيبنا أكثر من ثلاث سنين ! فضحك المأمون وأمر بصرفه . ينسب إليها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت ، كان عابدا زاهدا خائفا من اللّه تعالى . ودعي أبو حنيفة إلى القضاء فقال : إني لا أصلح لذلك ! فقيل : لم ؟ فقال : إن كنت صادقا فلا أصلح لها ، وإن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء . وأراد عمر بن هبيرة أبا حنيفة للقضاء فأبى ، فحلف ليضربنّه بالسياط على رأسه وليحبسنّه ، ففعل ذلك حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب ، فقال : الضرب بالسياط في الدنيا أهون من مقامع الحديد في الآخرة ! قال عبد اللّه بن المبارك : لقد زان البلاد ومن عليها * إمام المسلمين أبو حنيفة بآثار رفقه في حديث * كآيات الزّبور على الصّحيفه فما إن بالعراق له نظير * ولا بالمشرقين ولا بكوفه وحكي أن الربيع صاحب المنصور كان لا يرى أبا حنيفة ، فقال له يوما :