زكريا القزويني

253

آثار البلاد واخبار العباد

يا أمير المؤمنين ، هذا أبو حنيفة يخالف جدّك عبد اللّه بن عبّاس ، فإن جدّك يقول إذا حلف الرجل واستثنى بعد يوم أو يومين جاز ، وأبو حنيفة يقول : لا يجوز ! فقال أبو حنيفة : هذا الربيع يقول ليس لك في رقاب جندك بيعة ! قال : كيف ؟ قال : يحلفون عندك ويرجعون إلى منازلهم يستثنون فتبطل اليمين ! فضحك المنصور وقال : يا ربيع لا تتعرّض لأبي حنيفة . فلمّا خرج من عند المنصور قال له الربيع : أردت أن تشطّ بدمي ! قال : لا ، ولكنك أردت أن تشطّ بدمي فخلّصتك وخلّصت نفسي ! وحكى قاضي نهروان أن رجلا استودع رجلا بالكوفة وديعة ومضى إلى الحجّ . فلمّا عاد طلبها ، فأنكر المودع وكان يجالس أبا حنيفة ، فجاء المظلوم وشكا إلى أبي حنيفة فقال له : اذهب لا تعلم أحدا بجحوده ! ثمّ طلب الظالم وقال : إن هؤلاء بعثوا إليّ يطلبون رجلا للقضاء فهل تنشط لها ؟ فتمانع الرجل قليلا ثمّ رغب فيها . فعند ذلك بعث أبو حنيفة إلى المظلوم وقال : مرّ إليه وقل له : أظنّك نسيت ، أليس كان في يوم كذا وفي موضع كذا ؟ فذهب المظلوم إليه وقال ذلك ، فردّها إليه . فجاء الظالم إلى أبي حنيفة يريد القضاء فقال : نظرت في قدرك أريد أن أرفعه بأجلّ من هذا . وذكر أنّ أبا العبّاس الطوسي كان سئ الرأي في أبي حنيفة ، وأبو حنيفة يعلم ذلك . فرآه يوما عند المنصور فقال : اليوم اقتل أبا حنيفة ! فقال له : يا أبا حنيفة ، ما تقول في أن أمير المؤمنين يدعو أحدا إلى قتل أحد ، ولا ندري ما هو ، أيسع لنا أن نضرب عنقه ؟ قال أبو حنيفة : يا أبا العبّاس ، الأمير يأمر بالحقّ أو بالباطل ؟ قال : بالحقّ ! قال : انفذ الحقّ حيث كان ولا تسأل عنه ! ثمّ قال لمن كان بجنبه : هذا أراد أن يوبقني فربطته ! توفي سنة خمسين ومائة عن اثنتين وسبعين . ينسب إليها أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد الثوري منسوب إلى ثور أطحل ، كان من أكثر الناس علما وورعا . وكان إماما مجتهدا ، وجنيد البغدادي يفتي على