زكريا القزويني

239

آثار البلاد واخبار العباد

غير ما رأيت ، انزل الفيوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت ، وأمر كلّ أهل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية ، وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر ، فإذا فرغوا من البناء صيّر لكلّ قرية من الماء قدر ما يصير لها من الأرض ، لا زائدا ولا ناقصا . صيّر لكلّ قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه ، وصيّر مطأطئا للمرتفع ومرتفعا للمطأطىء بأوقات من الساعات في الليل والنهار ، وصيّر لها قدرا معلوما فلا يأخذ أحد دون حقّه ولا زائدا عليه ، فقال له فرعون : هذا من ملكوت السماء ؟ فقال : نعم . فلمّا فرغ منها تعلّم الناس وزن الأرض والماء واتّخاذ موازينها . وحدث يومئذ هندسة استخراج المياه ، واللّه الموفق . القادسيّة بليدة بقرب الكوفة على سابلة الحجّاج . سمّيت بقادس هراة وهو دهقانها ، بعثه كسرى أبرويز إلى ذلك الموضع لدفع العرب ؛ قال هشام عن أبيه : ان ثمانية آلاف من ترك الخزر ضيّقوا على كسرى بلاده من كثرة النهب والفساد . فبعث دهقان هراة إلى كسرى : إن كفيتك أمر هؤلاء تعطيني ما احتكم ؟ قال : نعم . فبعث الدهقان إلى أهل القرى يقول : إني سأنزل عليكم الترك فافعلوا بهم ما آمركم ! وبعث إلى الترك وقال : تشتون في أرضي العام . فنزلوا عنده . بعث إلى كلّ قرية طائفة وقال : ليذبح كلّ رجل منكم نزيله في الليلة الفلانية ويأتني بسبلته ! فذبحوهم عن آخرهم وذهبوا إليه بسبلاتهم ، فنظمها في خيوط وبعث بها إلى كسرى ، فبعث إليه كسرى شكر سعيه وقال : اقدم إليّ واحتكم ! فقدم إليه وقال : أريد أن تجعل لي سريرا مثل سريرك وتاجا مثل تاجك ، وتنادمني من غدوة إلى الليل . فاستدلّ كسرى باحتكامه على ركاكة عقله ، ففعل ذلك ثمّ قال : لا ترى هراة أبدا ، فيجلس ويتحدث بما جرى وأنزله هذا الموضع ، فبنى هذه البلدة وسكنها .