زكريا القزويني
21
آثار البلاد واخبار العباد
قال : لأبنينّ لكم بيتا خيرا منه ! فبنى بيتا من الرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود ، وحلّاه بالذهب والفضّة ورصّعه بالجواهر ، وجعل أبوابه من صفائح من ذهب ، وجعل للبيت سدنة ودخنه بالمندليّ ، وأمر الناس بحجّه وسمّاه القليّس ، وكتب إلى النجاشي : إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها ! أريد أصرف إليه حجّ العرب . فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة ، انتهز الفرصة حتى وجدها خالية ، فقعد فيها ولطخها بالنجاسة . فلّا عرف أبرهة ذلك اغتاظ وآلى أن يمشي إلى مكّة ، ويخرّب الكعبة غيظا على العرب . فجمع عساكره من الحبشة ومعه اثنا عشر فيلا ، فلمّا دنا من مكّة أمر أصحابه بالتأهّب والغارة ، فأصابوا مائتي إبل لعبد المطّلب ، جدّ رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم . وبعث أبرهة رسولا إلى مكّة يقول : إني ما جئت لقتالكم إلّا أن تقاتلوني ! وإنّما جئت لخراب هذا البيت والانصراف عنكم ! فقال عبد المطّلب ، وهو رئيس مكّة إذ ذاك : ما لنا قوّة قتالك وللبيت ربّ يحفظه ، هو بيت اللّه ومبنى خليله ! فذهب عبد المطّلب إليه ، فقيل له : إنّه صاحب عير مكّة وسيّد قريش ، فأدخله ، وكان عبد المطّلب رجلا وسيما جسيما ، فلمّا رآه أكرمه فقال له الترجمان : الملك يقول ما حاجتك ؟ فقال : حاجتي مائتا بعير أصابها . فقال أبرهة للترجمان : قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، وقد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك ودين آبائك ! جئت ما تكلّمت فيه وتكلّمت في الإبل ! فقال عبد المطّلب : أنا ربّ هذه العير ، وللبيت ربّ سيمنعه ! فردّ إليه إبله ، فعاد عبد المطّلب وأخبر القوم بالحال ، فهربوا وتفرّقوا في شعاب الجبال خوفا فأتى عبد المطّلب الكعبة وأخذ بحلقة الباب وقال : جرّوا جميع بلادهم * والفيل كي يسبوا عيالك ! عمدوا حماك بجهلهم * كيدا وما رقبوا حلالك لاهمّ إنّ المرء يم * نع حلّه فامنع حلالك