زكريا القزويني
200
آثار البلاد واخبار العباد
الدواليب ويسقي ماؤها ليظهر الطين ، فيخرجه الفعلة إلى ظاهر الأرض ويغسلونها . وإنّما يفعل ذلك ليأخذ خمس النيل ، وماؤها يسقي ثلاث دفعات ، لأن من وجه الأرض إلى الماء عشرين ذراعا ، فينصب دولابا في الغار على وجه الماء ، فيستقي ويصبّ في حوض كبير ، وينصب على ذلك الحوض دولابا آخر فيستقي ويصبّ في حوض آخر ، ثمّ ينصب إلى ذلك الحوض دولابا ثالثا فيستقي ويجري على وجه الأرض إلى المزارع والبساتين . وذكروا أن هذه المعاملة لا تصحّ إلّا من صاحب مال كثير له آلاف يقعد على باب الغار ويكري الصنّاع والعملة ، فيخرجون الطين ويغسلونه بين يديه ، حتى إذا تمّ العمل أخرج خمس السلطان وسلّم الباقي له ، فربّما يكون أصغر ممّا أنفق ، وربّما يكون دونه على قدر جدّ الرجل . سابور مدينة بأرض فارس ، بناها سابور بن أردشير ، من دخلها لم يزل يشمّ روائح طيّبة حتى يخرج منها لكثرة رياحينها وأزهارها وكثرة أشجارها . قال البشّاري : مدينة سابور نزهة جدّا ، بها ثمار الجروم والصرود من النخل والزيتون والأترج والجوز واللوز والعنب وقصب السكر . وأنهارها جارية وثمارها دانية . وقراها مشتبكة ، يمشي السائر أيّاما تحت ظلّ الأشجار كصغد سمرقند ، وعلى كلّ فرسخ بقّال وخبّاز . ينسب إليها أبو عبد اللّه السابوري . كان من أولياء اللّه تعالى ، قال الأستاذ أبو عليّ الدقّاق : إنّ أبا عبد اللّه كان صيادا ، فإذا نزلنا به أطعمنا من لحم الصيد ثمّ ترك ذلك . فسألناه عن سببه فقال : كنت أنصب شبكتي على عين ماء ، فالظباء كانت تأتي لتشرب فتتعلّق بالشبكة . فنصبتها في بعض الأيّام فإذا أنا بظبية معها غزلان ثلاثة في انتصاف النهار عند شدّة الحرّ ، فقصدت الماء لتشرب ، فلمّا رأت الشبكة نفرت عنها وذهبت وقد غلبها وغزلانها العطش ، ثمّ عادت