زكريا القزويني

20

آثار البلاد واخبار العباد

بلاد الحبشة هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري ، وجنوبها البرّ . وشرقها الزنج ، وغربها البجة . الحرّ بها شديد جدّا ، وسواد لونهم لشدّة الاحتراق ، وأكثر أهلها نصاري يعاقبة ، والمسلمون بها قليل . وهم من أكثر الناس عددا وأطولهم أرضا ، لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلّة الأمطار ، وطعامهم الحنطة والدخن ، وعندهم الموز والعنب والرمان ، ولباسهم الجلود والقطن . ومن الحيوانات العجيبة عندهم : الفيل والزرافة . ومركوبهم البقر ، يركبونها بالسرج واللجام مقام الخيل ، وعندهم من الفيلة الوحشيّة كثير وهم يصطادونها . فأمّا الزرافة فإنّها تتولّد عندهم من الناقة الحبشيّة والضبعان وبقر الوحش ، يقال لها بالفارسيّة « اشتركاوپلنك » رأسها كرأس الإبل ، وقرنها كقرن البقر ، وأسنانها كأسنانه ، وجلدها كجلد النمر ، وقوائمها كقوائم البعير ، وأظلافها كأظلاف البقر ، وذنبها كذنب الظباء ، ورقبتها طويلة جدّا ، ويداها طويلتان ورجلاها قصيرتان . وحكى طيماث الحكيم أنّه بجانب الجنوب ، قرب خطّ الاستواء في الصيف ، تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدّة العطش والحرّ ، فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة ، فإنّها من الناقة الحبشيّة والبقرة الوحشيّة والضبعان ، وذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشيّة فتأتي بولد عجيب من الضبعان والناقة ، فإن كان ذلك الولد ذكرا ويسفد البقرة الوحشيّة أتت بالزرافة . ولهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصبّاح . ولمّا مات ذو يزن ، وهو آخر الأذواء من ملوك اليمن ، استولى الحبشة على اليمن ، وكان عليها أبرهة من قبل النجاشي ، فلمّا دنا موسم الحجّ رأى الناس يجهزّون للحجّ ، فسأل عن ذلك ، فقالوا : هؤلاء يحجّون بيت اللّه بمكّة . قال : فما هو ؟ قالوا : بيت من حجارة .