زكريا القزويني

199

آثار البلاد واخبار العباد

ومن عجيب هذه البلدة أن ليس بها زرع ولا ضرع ولا ماء ، ولا أمن ولا تجارة ولا صنعة مرغوبة ! وأهلها يسكنونها ، ولولا حبّ الوطن لخربت . الرّقّادة بلدة طيبة بافريقية بقرب القيروان ، كثيرة البساتين ، ليس بافريقية أعدل هواء ولا أطيب نسيما منها ولا أصحّ تربة ! حتى إن من دخلها لم يزل مستبشرا من غير أن يعلم لذلك سببا . وحكي أن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب مرض وشرد عنه النوم ، فعالجه إسحق المتطبّب الذي نسب إليه الاطريفل الاسحقي ، فأمره بالتردّد . فلمّا وصل إلى هذا الموضع نام فسمّاه رقّادة ، واتّخذ به دورا وقصورا فصارت من أحسن بلاد اللّه . وكان يمنع بيع النبيذ بالقيروان ولا يمنع بالرقادة ، فقال طرفاء القيروان : يا سيّد النّاس وابن سيّدهم * ومن إليه الرّقاب منقاده ما حرّم الشّرب في مدينتنا * وهو حلال بأرض رقّاده ؟ زكندر مدينة بالمغرب من بلاد بربر ، بينها وبين مراكش ستّ مراحل ، حدّثني الفقيه علي بن عبد اللّه المغربي الجنحاني أنّها مدينة كبيرة مسوّرة ، كثيرة الخيرات والثمرات ، أهلها برابر مسلمون ، بها معادن الفضّة عامّة ، كلّ من أراد يعالجها . وهي غيران تحت الأرض ، فيها خلق كثير يعملون أبدا . ومن عادة أهل المدينة أن من جنى جناية أو وجب عليه حقّ فدخل شيئا من تلك الغيران ، سقط عنه الطلب حتى يخرج منها . وفيها أسواق ومساكن ، فلعلّ الخائف يعمل فيها مدّة وينفق ولا يخرج حتى يسهل اللّه أمره . وذكر أنّهم إذا نزلوا عشرين ذراعا نزل الماء فالسلطان ينصب عليها