زكريا القزويني
163
آثار البلاد واخبار العباد
مائتان وثلاثون مملوكا ، أقامهم عبد الملك بن مروان من خمس الأسارى ، ولذلك يسمّون الأخماس ، كان رزقهم من بيت المال . وبها قمامة ، وهي كنيسة عظيمة للنصارى في وسط البلد ، لا ينضبط صفتها حسنا وعمارة وتنميقا وكثرة مال . في موضع منها قنديل يزعمون أن نورا من السماء ينزل في يوم معلوم ويشعله ، وهذا أمر مشهور عندهم . حكي أن بعض أصحاب السلطان ذهب إليها ذلك اليوم وقال : إني أريد أن أشاهد نزول هذا النور ، فقال له القسّ : إن مثل هذه الأمور لا تخفى على أمثالك ! لا تبطل ناموسنا فإنّا نشبه على أصحابنا لتمشية أمرنا ، فتجاوز عنه ! وبها عين سلوان يتبرّك بها الناس ؛ قال ابن البشّار : سلوان محلّة في ربض بيت المقدس ، تحتها عين غزيرة تسقي جنانا كثيرة ، وقفها عثمان بن عفّان على ضعفاء بيت المقدس . قالوا : إن ماءها يفيد السلوّ إذا شربه الحزين ، ولهذا قال رؤبة : لو أشرب السلوان ما سلوت . بلاد بربر بلاد واسعة من برقة إلى آخر بلاد المغرب والبحر المحيط . سكّانها أمّة عظيمة يقال إنّهم من بقيّة قوم جالوت ، لمّا قتل هرب قومه إلى المغرب فحصلوا في جبالها ، وهم أحفى خلق اللّه وأكثرهم بطشا ، وأسرعهم إلى الفتنة وأطوعهم لداعية الضلالة ! ولهم أحوال عجيبة واصطلاحات غريبة ، سوّل لهم الشيطان الغوايات وزيّن لهم أنواع الضلالات . عن أنس بن مالك قال : جئت إلى رسول اللّه ، عليه السلام ، ومعي وصيف ، فقال ، صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أنس ما جنس هذا الغلام ؟ قلت : بربريّ يا رسول اللّه ! فقال : بعه ولو بدينار ! قلت : ولم يا رسول اللّه ؟ قال : إنّهم أمّة بعث اللّه إليهم رسولا فذبحوه وطبخوه ، وأكلوا لحمه وبعثوا مرقه إلى نسائهم ! قال اللّه تعالى : لا اتّخذت منكم نبيّا ولا بعثت إليكم رسولا .