محمود حمدي زقزوق

46

موسوعة التصوف الاسلامي

سواء أكان من أهل التصوف أم من أهل العلم أو الجهاد أو الزراعة أو التجارة أو العمل النافع المفيد ، وليس كل المنتسبين إلى التصوف من أهل الحق والصدق ، بل إن بعض المنتسبين إلى التصوف كانوا من أبعد الناس عن حقيقته ولذلك أساءوا إليه أبلغ الإساءة ، وشوهوا صورته أعظم تشويه ، ولكن التصوف من جهة أخرى ليس شرا كله وليس شطحا أو ذهولا وفناء وحلولا ودعاوى وترهات ، كما أنه ليس مجرد مقتطفات من مذاهب أجنبية كما يحلو للبعض أن ينظر إليه . [ أنواع التصوف ] إن التصوف أنواع : منها المحمود ، ومنها المذموم ، وليس من الإنصاف رفض المحمود منه ، وكذلك فليس من الحكمة قبول ما يستحق الرفض منه ويمكن أن نحتكم في القبول أو الرفض إلى عدد من المعايير التي يأتي في مقدمتها أمران : أولهما : علاقة هذا التصوف بالكتاب والسنة وهو معيار ألمح شيوخ التصوف على ضرورة احترامه والتزامه والتقيد به . وثانيهما : علاقته بالعقل . ومع أن الصوفية يقولون : إن معارفهم الذوقية الإلهامية من طور فوق طور العقل ومن مستوى أرفع منه فإن أهل الفطانة منهم قد اشترطوا ألا تكون هذه المعارف مضادة للعقل أو مستحيلة عنده . وكان من هؤلاء الإمام الغزالي الذي أشاد بالتصوف إشادة بالغة ولكنه أكد على أنه لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضى العقل باستحالته 28 . ويمكن لنا في ضوء هذين المعيارين وأمثالهما أن نختار الحكم المناسب في كل حالة بعينها ، وسيتاح لنا عندئذ أن ننتفع بكثير من الخير الذي تحتوى عليه كتب كثيرة من التصوف زخرت بتراث ضخم من المعارف والتجارب الإنسانية الجديرة بالتأمل والاعتبار بل زخرت في أحيان كثيرة بالتقدير والاحترام وبخاصة في مجال الدراسات النفسية والأخلاقية التي حاز الصوفية فيها قصب السبق واستطاعوا أن يتوصلوا فيها إلى نتائج لم يصل إليها علماء النفس المحدثون إلا منذ عهد قريب 29 . وإذا كان المسلم ينشد الحكمة أنى وجدها ويقبل الحق من كل من جاء به ، فإن عليه ألا يصد نفسه عن الاتصال بالتراث الصوفي ، فلعله يجد فيه خيرا كثيرا . ثم إنه ينبغي ونحن نتحدث عن