محمود حمدي زقزوق
47
موسوعة التصوف الاسلامي
التصوف ألا نخلط بين هذا التصوف العلمي الذي يتجلى في كتب أعلامه وفي سلوك رجاله ، وبين ما انحدر إليه التصوف في العصور الأخيرة من تدهور وانحطاط ، ومظاهر كان الصوفية الخلص يتبرؤون منها ويتحسرون لوجودها بين المنتسبين إلى التصوف ، وهذا أحدهم يقول : كان التصوف حالا فصار كارا ، وكان احتسابا فصار اكتسابا ، وكان استتارا فصار اشتهارا ، وكان اتباعا للسلف فصار اتباعا للعلف ، وكان عمارة للصدور فصار عمارة للغرور ، وكان تعففا فصار تملقا ، وكان تجريدا فصار ثريدا 30 . وقد أشاروا إلى ما انحدر إليه بعض شيوخ التصوف من الجهل بالشرع والوقوع في الرياء والتكسب بالتصوف والتظاهر أمام الناس بالولاية دون تحقق بأسبابها ، والنطق أمامهم بكلمات مهولة عن الفناء والبقاء والصحو والسكون دون ذوق لها ولا معرفة بحقائقها ، وربما لبس أحدهم جبة وأطلق لحية وأرخى عذبة ثم ساح في الأرض وتكلف السفر ، وأظهر الصمت والجوع حتى يستقر في وجدان الناس أنه من الأولياء 31 . وعند ذلك يتجرأ على أموالهم وأسرارهم وربما يتجرأ على ما هو أكثر من ذلك ، ومن هنا حرص الصوفية على البراءة من هؤلاء الأدعياء ، ودعوا الناس إلى أن يزنوا أقوالهم بمقاييس الشرع حتى لا ينخدعوا بهم ، أو يقعوا في براثنهم ، وليس هؤلاء عند الصوفية جديرين بأن يكونوا من الصوفية بل إنهم أعداء للتصوف الحق ، وسبب قوى في تشويه الصورة التي يسعى علماء الصوفية إلى تطهيرها وتنقيتها من شوائب هؤلاء المنحرفين . وإذا كان الإنصاف يقتضى أن نعزل هؤلاء عن التصوف فإن الإنصاف يقتضى كذلك ألا نغفل بسبب هؤلاء الأدعياء أو للمتكسبين بالتصوف - صفحة - مشرقة يعتز الصوفية بها أيما اعتزاز وهي دورهم في نشر الإسلام في كثير من بقاع الأرض في آسيا وإفريقيا قديما ، وفي أوروبا حديثا ، وهو دور يعرفه المؤرخون ويذكرون وقائعه وأحداثه ، وهم يشيرون في هذا الجانب إلى بعض الطرق الصوفية التي قامت بدور عظيم في هذا الشأن ومنها : الطريقة القادرية ، والنقشبندية ، والشاذلية وغيرها من الطرق الصوفية ، ويعد ما قدموه صفحة من صفحات