محمود حمدي زقزوق
39
موسوعة التصوف الاسلامي
كان ابن الجوزي على حق في نقده لتلك الأمور وأمثالها مما يجرى مجراها ، ولكن حملته القاسية قد أوقعته في التحامل أحيانا كما أنها استدرجته إلى التعميم أحيانا أخرى ، ومن دلائل ذلك اتهامه للصوفية بترك العمل والتكاسل عن طلبه ، وقد قال ابن الجوزي نفسه عن أقوال شيوخ التصوف ما يدحض هذا الاتهام بالنسبة لبعض الصوفية على الأقل وهو يروى قول سهل التستري لرجل جاء إليه يحمل دواة حبر : اكتب وإن استطعت أن تلقى اللّه وبيدك المحبرة والكتاب فافعل ، وقال مرة أخرى : ما من طريق إلى اللّه أفضل من العلم فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام أربعين صباحا 9 . وكان أبو القاسم الجنيد يقول : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن علمنا . وقد دعا السرى السقطي للجنيد بقوله : جعلك اللّه صاحب حديث صوفيا ولا جعلك صاحب حديث . ويفسر أبو طالب المكي تلك العبارة ؛ بقوله : يعنى إذا ابتدأت بعلم الحديث ومعرفة الأصول والسنن ثم تزهدت وتعبدت تقدمت في علم الصوفية وكنت صوفيا عارفا ، وإذا ابتدأت بالتعبد والتقوى والحال شغلت بها عن العلم والسنن ، فخرج إما شاطحا أو عالما لجهلة بالأصول فالسنن ، فأحسن أحوالك أن ترجع إلى العلم الظاهر وكتب الحديث 10 . ومن مظاهر تحامله كذلك أنه أخذ على الصوفية دعوتهم إلى الجوع وتقليل الكلام ، ومن الحق أن بعض الصوفية يقولون بذلك ، ولكن فريقا منهم رفض هذه الدعوة ورد على أصحابها ورأى أن الأولى هو الاعتدال في الطعام دون إسراف فيه أو حرمان منه : لأن اللّه تعالى لم يفرض الجوع إلا في الصوم ، أما الدعوة إلى الجوع في كل الأحوال فليست مقبولة وفي ذلك يقول الحارث المحاسبي : أن من دعا الناس إلى الجوع فقد عصى اللّه تعالى ، وقد فعل ذلك بخلق كثير من زوال العقل حتى تركوا الفرائض ، ومنهم من يعمد إلى سكين فيذبح نفسه ، ومنهم من يتغير طبعه ويسوء خلقه 11 . والمطلوب في كل الأحوال هو الاعتدال كما يقول الخراز ، ولذلك ينصح المريد بأن يأخذ من الحلال ما لابد منه