محمود حمدي زقزوق

40

موسوعة التصوف الاسلامي

على قدر معرفته بنفسه ، وعليه ألا يحملها فوق طاقتها فتنقطع ، وألا يصير معها إلى ما تهواه من السرف ، ولكن يأخذ ما يقيمها بلا تقتير ولا سرف في الطعام واللباس والمسكن 12 . وللصوفية أقوال كثيرة في هذا المعنى ، ويمكن أن نتتبع على هذا النحو أقوالا كثيرة نسبها ابن الجوزي إلى الصوفية عموما وكان الأولى به عدم التعميم . وعلى الرغم من تحامل ابن الجوزي على الصوفية يمكن أن نستخلص من كلامه عنهم ما يدل على أنه لا ينكر طريق التصوف في ذاته ، وإنما ينكر ما وقع فيه من أخطاء ، ويدل على ذلك قوله في أول حديثه عن التصوف إن هذا الاسم ظهر قبل سنة مائتين ، وأن أوائل الصوفية عبروا عن التصوف بعبارات كثيرة حاصلها أن التصوف هو رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق السيئة إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الآخرة ، ثم نقل من أقوال الصوفية ما يدل على هذه المعاني وعلق عليها بقوله : وعلى هذا كان أوائل القوم 13 . وربما كان رأيه هذا هو الذي جعله يخصص كتابا كبيرا من كتبه هو صفة الصفوة الذي يقع في أربعة أجزاء ، وفيه يترجم للصوفية ويحكى أحوالهم على نحو ما فعل الصوفية في كتب طبقات الصوفية والنساك والأولياء . [ أن خصوم التصوف لم يكونوا من الفقهاء أو المحدثين فقط ] ولا يفوتنا بعد أن أوضحنا رأى ابن الجوزي أن نشير إلى أن خصوم التصوف لم يكونوا من الفقهاء أو المحدثين فقط بل كان من بينهم - كذلك - بعض علماء الكلام وبخاصة من متكلمي المعتزلة ، كما كان من بينهم بعض الفلاسفة كابن باجة وابن رشد بسب الطابع العقلي الغالب على فلسفتهما . ولا يفوتنا كذلك أن نشير إلى أن الصوفية لم يقفوا أمام الهجوم عليهم مكتوفى الأيدي بل دافعوا عن أنفسهم وأوضحوا آراءهم ودفعوا عنها الشبهات ، ثم انتقلوا أحيانا إلى موقع الهجوم فقدموا وجهات نظرهم وساقوا ملاحظاتهم وانتقاداتهم لتلك العلوم الأخرى وأصحابها ومن ثم وجدنا لهم آراء في نقد بعض رجال الفقه والحديث وبعض علماء الكلام ، كما أنهم أوضحوا أن منهجهم في المعرفة يسمو على منهج الفلاسفة ، ونكتفي بهذه