محمود حمدي زقزوق

38

موسوعة التصوف الاسلامي

دينهم ، وقد تتبع فيه مواطن الانحرافات والأخطاء لدى الملاحدة ومنكري الأديان والقائلين بالثنوية ومنكري الحقائق من السوفسطائية ، وتحدث كذلك عن أهل الكتاب وطوائفهم ، والفلاسفة ومذاهبهم ، وعلماء الكلام وفرقهم ، كما تحدث عن القراء والفقهاء والمحدثين والمفسرين والوعاظ ، وجاء ذلك كله بعد المقدمة في قريب من ثلث الكتاب ، ثم خصص الثلثين الباقيين منه للهجوم الحاد على الصوفية ، وقد اتسم هجومه بالعنف والقسوة كما اتسم بالإحاطة والشمول لكل شيء في التصوف ، وقد ذهب إلى أن السبب الأصلي في تلك الأخطاء التي وقع فيها الصوفية يرجع إلى أن إبليس أغواهم بترك العلم ، وزين لهم الاكتفاء بما يعتقدون أنه علم ذوقي لدني ، وتفرع على ذلك ما وقعوا فيه من غلو وإسراف ومبالغة تتعلق بزهدهم في الدنيا ، وإيثارهم الجوع والعزلة ، وتركهم العمل والتداوي من المرض بدعوى التوكل ، وقعودهم بلا عمل في الزوايا والرباطات ، واعتمادهم على غيرهم في معاشهم ، وتركهم الزواج تشبها بالرهبان ، ولم يفت ابن الجوزي أن يتعقب القائلين بالحلول وخاصة الحلاج الذي ذكر أنه ألف عنه كتابا خاصا يتضمن آراءه الزائغة وحيله الضالة ، كما لم يفته أن يذكر نماذج من تفسير الصوفية للقرآن مظهرا مخالفتها لقواعد اللغة أحيانا ومخالفتها القرآن وأسباب النزول أحيانا أخرى ، مبينا أن الكثير منها يتبع منهج الباطنية في صرف الألفاظ عن ظاهرها ، وإكراه الآيات على النطق بما يرد على خواطرهم من الأفكار ، وقد استعان في تلك الحملة بكل من هاجم الصوفية من قبله خاصة أبو الوفاء بن عقيل الذي ينقل عنه صفحات كثيرة يهاجم فيها الصوفية . ويمكن القول بأن بعض ما قاله ابن الجوزي في نقد الصوفية كان له ما يسوغه من سلوك بعض الصوفية وآرائهم وخاصة لدى من وقعوا في المغالاة ، وقد كان من هؤلاء من دخلوا إلى الصحراء بغير زاد ، وقعدوا عن العمل بدعوى التوكل ، أو ظنوا أن التصوف هو لبس المرقعات وحضور مجالس السماع والإنشاد التي يقال فيها قصائد الغزل ، وذكر الحكايات عن كرامات الشيوخ وإطلاق العبارات التي توهم أن صاحبها من أهل الكشف والشهود والولاية ، ولقد