محمود حمدي زقزوق
37
موسوعة التصوف الاسلامي
الصوفية الذين كانوا موضعا للهجوم والاتهام . وهو يفسر الهجوم على الصوفية بأسباب منها : علو أذواقهم ، وسمو معارفهم إلى مستوى يجعل من الصعب على كثير من العقول إدراكها وفهمها ، لأنها ليست من معارف العقل المعتاد ؛ ولأنها تأتى بغتة من غير نقل ونظر . ولذلك أنكرها الناس وجهلوها ، ومن أنكر طريقا من الطرق عادى أهله ، ثم يضيف الشعراني إلى ذلك سببا آخر هو كراهة غالب الناس أن يكون لأحد شرف بمنزلة أو اختصاص ، ومبعث ذلك هو الحسد والبغضاء ، وبيّن أن الأنبياء أنفسهم لم ينجوا من إنكار الناس عليهم أن يكونوا أهلا لاصطفاء اللّه لهم لمنصب النبوة . وأوضح صوفي آخر - من قبل - هو أبو عبد اللّه محمد بن خفيف ( 371 ه ) أن من أسباب الهجوم على الصوفية أن خصومهم ربما عثروا على خطأ لأحد الصوفية فلا يكتفون بالهجوم على هذا الصوفي وحده ، بل يهاجمون الصوفية جميعا أي أنهم يؤاخذون جمهور الصوفية بجريرة واحدة منهم ، وليس الصوفية بمعصومين عن الخطأ . ولكن الإنصاف يقتضى أن يكون الهجوم أو الاتهام مقصورا على من يستحقه ، خاصة إذا تبرأ الصوفية من هذا القول وردوه على صاحبه . على أن من أهم الأسباب التي أدت إلى الهجوم على التصوف تلك الآراء المنحرفة التي قال بها بعض المنتسبين إلى التصوف ممن زاغت بصائرهم ، أو تلك الآراء التي اقتبسها بعض الصوفية من صوفية آخرين من خارج الإسلام كالحلول ، والفناء ، ووحدة الوجود ، ونحوها . وعلى الرغم من أن جمهور الصوفية وقف لهذه الآراء بالمرصاد وأعلن براءته منها ، كان لهذه الآراء أثر سيئ على التصوف كله ، فلقد كانت أشبه ببقعة الحبر التي يمكن أن تتسبب في تعكير كمية كبيرة من المياه . ومهما كانت دوافع الهجوم على التصوف فإن خصوم التصوف - قديما وحديثا - قد هاجموا التصوف مهاجمة شديدة ، وحاربوه حربا لا هوادة فيها . وكان من أشد هؤلاء وأطولهم نفسا في الهجوم على الصوفية من القدامى أبو الفرج بن الجوزي ( 597 ه ) الذي ألف كتابا سماه تلبيس إبليس حاول أن يلفت فيه النظر إلى مكائد إبليس ومصائده التي يوقع بها الناس في الضلال عن