محمود حمدي زقزوق
34
موسوعة التصوف الاسلامي
المحاسبي ، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد ، والشبلي ، وأبى يزيد البسطامي ، ثم تبين له أن أخص خواصهم لا يمكن الوصول إليها بالتعلم بل بالعمل والذوق والمجاهدة ، وتردد في سلوك طريق الصوفية مدة استمرت نحو ستة أشهر ظل فيها مترددا - كما يقول - بين شهوات الدنيا ودواعي الآخرة ، وأورثه التردد حيرة وقلقا واضطرابا حتى أصيب بما يشبه الخرس ، فلم يعد قادرا على التدريس وترتب على ذلك أحزان أدت إلى ضعف قوته واعتلال بدنه ، وعندئذ لجأ إلى اللّه لجوء المضطر وسأله عونه وهدايته فاستجاب اللّه دعاءه وهون على قلبه الإعراض عن الجاه والمال والأولاد ، فترك بغداد وذهب إلى الشام فلبث بدمشق مدة تقرب من سنتين لم يكن له فيها شغل إلا الرياضة النفسية والخلوة والمجاهدة والاشتغال بالذكر وتهذيب الأخلاق ، ثم رحل إلى بيت المقدس ومنها إلى مكة والمدينة ، ثم رجع بعد ذلك إلى بغداد ولكنه آثر العزلة ؛ حرصا على السلامة وتصفية القلب للذكر ، واستمر على هذا النحو عشر سنوات انكشف له في أثنائها - كما يقول - أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها وقد لخص رأيه في الصوفية والتصوف بقوله : « والقدر الذي أذكره لينتفع به أنى علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق ؛ بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم لم يجدوا إليه سبيلا ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة 5 . . [ قد كان للغزالي أثر كبير في انتشار التصوف ] وقد كان للغزالي أثر كبير في انتشار التصوف وتحسين صورته والتمكين له بين المسلمين . وكان لهذا الانتصار أثره في تشجيع انتشار الطرق الصوفية الكبرى التي وجدت في القرن السادس الهجري وما بعده كالقادرية نسبة إلى السيد عبد القادر الجيلاني والرفاعية نسبة إلى السيد أحمد الرفاعي ، والأحمدية نسبة إلى السيد أحمد البدوي ، والشاذلية نسبة إلى الشيخ أبى الحسن الشاذلي وغير ذلك من الطرق التي انتسب إليها عشرات الآلاف بل الملايين من المسلمين الذين نظروا إلى التصوف على أنه طريق النجاة ووسيلة القرب من اللّه ،