محمود حمدي زقزوق

35

موسوعة التصوف الاسلامي

وأنه لا سبيل إلى مقارنة غيره به في الفضل والكمال . ولم يكن العامة وحدهم هم الذين تأثروا بالغزالي وموقفه من التصوف ؛ بل تأثر به بعض علماء الكلام ورجال الفقه ومن أمثلة هذا التأثر بين علماء الكلام أننا نجد فخر الدين الرازي ( 606 ه ) يذكر في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين أن أكثر من تحدث عن فرق الأمة لم يذكر الصوفية بين هذه الفرق وذلك خطأ ؛ لأن حاصل قول الصوفية أن الطريق إلى معرفة اللّه تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية . وهذا طريق حسن ، ثم تحدث عن فرق الصوفية فذكر من بينهم أصحاب الحقيقة الذين يؤدون الفرائض ويشتغلون بذكر اللّه اشتغالا دائما . ثم يصفهم بأنهم خير فرق الآدميين 6 . ومن أمثلة هذا التأثر بين الفقهاء أننا نجد قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب السبكي ( 771 ه ) يعيب طائفة من الفقهاء بأنها تهزأ بأهل التصوف وتعيب عليهم بعض الأقوال والأحوال ، ويرى أن الواجب تسليم أحوال القوم لهم ، وحمل كلامهم على محمل حسن كلما أمكن ذلك ، ثم يقول : إننا جربنا فلم نجد فقيها ينكر على الصوفية إلا ويهلكه اللّه ، وتكون عاقبته وخيمة ؛ وذلك لأنهم أهل اللّه تعالى وخاصته وأكثر من يقع فيهم لا يفلح 7 . وهكذا وجدنا من بين علماء الكلام ورجال الفقه من يتعاطف مع الصوفية ، ويثنى على علومهم ، ويدافع عنهم ضد من يهاجمهم . وتجدر الإشارة هنا إلى أن ثقة الصوفية بالتصوف واعتزازهم به وتفضيلهم له على سواه لم تمنع شيوخ الصوفية أنفسهم من توجيه بعض النقد إلى من ينتسبون إلى التصوف ، فليس كل من انتسب إلى التصوف مخلصا ، وليس كل من اجتهد فيه مصيبا ، بل وجد من بينهم أصحاب الأغراض والأدعياء والمنحرفون عن مقاصد التصوف التي حددها شيوخه . وقد كان الشيوخ يتعقبون أمثال هؤلاء ويظهرون عوراتهم ، ويتبرؤون من أخطائهم ، وكان ذلك من أهدافهم في تأليف الكتب في التصوف ، وها هو ذا القشيري يذكر في مقدمة كتابه أن المحققين من هذه الطائفة قد انقرض أكثرهم ، ولم يبق إلا أثرهم ، ووجد من