محمود حمدي زقزوق

26

موسوعة التصوف الاسلامي

أشرف سمة ، ثم قيل لمن بعدهم : أتباع التابعين . ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين : الزهاد والعباد . ثم ظهرت البدع وحصل التداعى بين الفرق فكل فريق ادعو أن فيهم زهادا - فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع اللّه تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف . واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة " 24 . وهكذا تأخر إطلاق مصطلح الصوفي والتصوف بالمعنى الذي نعرفه اليوم حوالي قرنين من الزمان بعد ظهور الإسلام . فقد كان الإقبال على الدين والزهد في الدنيا غالبا على المسلمين في الصدر الأول للإسلام . فلم يكونوا في حاجة إلى وصف يمتاز به أهل التقى والعكوف على الطاعات والانقطاع إلى اللّه . وقد طرأ على تيار الزهد تحول واضح منذ أوائل القرن الثالث الهجري بعد أن عرف الزهاد في هذه المرحلة باسم الصوفية . فقد اتجهوا إلى الكلام عن معان ومفاهيم لم تكن معروفه من قبل . تكلموا عن الأخلاق والنفس والسلوك والمقامات والأحوال والمعرفة والفناء والاتحاد والحلول ووضعوا القواعد النظرية . كما اتخذوا رسوما عملية معينة لطريقتهم وأصبحت لهم لغة رمزية خاصة لا يشاركهم فيها سواهم . وأطلق الصوفية منذ ذلك العصر وما بعده تسميات خاصة على علمهم فوصفوه بعلم الباطن وبعلم الحقيقة . وقد اكتمل التصوف الإسلامي واستوى على سوقه خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين . وقد ظهرت في هذين القرنين ملامح تيارين مختلفين للتصوف أحدهما تيار سنى يلتزم رجاله بتعاليم الكتاب والسنة . وتيار شبه فلسفي يميل رجاله إلى الشطح والانطلاق من حال الفناء إلى الاتحاد أو الحلول . وقد اختفى تيار الشطح في القرن الخامس الهجري وثبتت دعائم التصوف السنى بفضل رجال من أمثال القشيري والإمام الغزالي الذي كان له فضل كبير في ترسيخ قواعده وإزالة النفور الذي كان قائما ضد التصوف من جهات عديدة . وبذلك بدأ التصوف السنى ينتشر في العالم الإسلامي . وفي القرنين التاليين لعصر الغزالي ظهر تيار جديد في التصوف الإسلامي وهو تيار التصوف الفلسفي . وقد مزج رجاله أذواقهم الصوفية بأنظارهم العقلية واستخدموا في التعبير عن ذلك مصطلحات فلسفية استمدوها من مصادر عديدة ، وهذا اللون من التصوف