محمود محمود الغراب
6
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر
أهل ذاك المقام ، فإنه لا خلاف بين علماء الإسلام ، أن اللّه خلق الخلق على مراتب ، وأهّلهم لما أراد بهم من مواهب ، فثبتت المقامات بالقرآن الكريم ، وجاء الحديث بمقام الإحسان لعبد يعبد اللّه كأنه يراه ، وآخر بمقام الحب حتى يكون الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، فلم يكن عبثا إخبار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل كان لهذه المقامات أهل وطلاب ، كما للّه تعالى خاصة وأحباب ، فمن هذه المقامات وبلسان أهلها تكلم رجال ، فأنكر عليهم من لم يكن له هذه الحال ، وسبب ذلك أن المعاني الأول أصبحت باهتة ، فتداخلت الأمور والتبست معانيها ، وبقيت مبانيها ، فكما لا يعرف كل أحد الجوع الحقيقي من الجوع الكاذب ، ولا الحمل الحقيقي من الحمل الكاذب ، كذلك أصبح الناس لا يعرفون الحب الحقيقي من الحب الكاذب ، ولا الصحبة الحقيقية من الصحبة الكاذبة ، فلا يعرفون معنى للتقوى ولا للزهد ولا للورع ولا للأخوة ، إلا ما تعارفوا عليه في زمانهم ، فتوهموا أنهم حازوا المقامات ، ونالوا الدرجات ، وظنوا أنهم رجال ، كما أن أهل كل صفة رجال ، وذلك لفقدهم الميزان ، وجهلهم بما كان عليه أهل ذاك الزمان ، فحكموا على كلام من أخبر عنهم الرسول بأنهم من أهل مقام المحبة والإحسان ، كان ذلك بنظرهم ، لأنهم توهموا أنهم حازوا كل المراتب ، ولم يبق مقام إلا ولهم فيه مشارب ، فأنكروا ما لم يعرفوه ولا ذاقوه ، ولا معنى من المعاني حققوه ، وصدق الحسن البصري وهو يصف الصحابة للتابعين فيقول : « لقد أدركت رجالا لو رأيتموهم لقلتم إنهم مجانين ، ولو رأوكم لقالوا إنكم لم تؤمنوا قط » . ولما كان بعض هؤلاء المنكرين ، ممن حاز الصدارة في علوم الفقه والدين ، فظن البعض أنهم وصلوا مرتبة حق اليقين ، فاتبعهم أقوام في إنكارهم مقلدين ، في كل ما هم له أهل ، وفي كل ما ليسوا له بأهل ، فلا المتبوع أنصف نفسه عندما تكلم فيما لا يعلم ، ولا التابع حقق النظر في قول من اتبعه فسلم وسلّم ، لذلك رأيت أن أجمع شرح بعض كلمات الصوفية ، مما لا تدركة العقول القاصرة عن المراتب العالية ،