محمود محمود الغراب
97
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
صدورهم عندهم ، وفي مصحفهم المنزل عليهم ، فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل ، وأبقوا الأصل على ما هو عليه ، ليبقى لهم العلم ولعلمائهم ، وآدم مع اليدين عصى بنفسه ، ولم يحفظ حفظ كلام اللّه ، فهذا أعجب ، وإنما عصم كلام اللّه ، لأنه حكم ، والحكم معصوم ، ومحله العلماء به ، فما هو عند العلماء محرف ، وهم يحرفونه لأتباعهم ، وآدم ما هو حكم اللّه ، فلا يلزمه العصمة في نفسه ، وتلزمه العصمة فيما ينقله عن ربه من الحكم - إذا كان رسولا - هو وجميع الرسل ، وهذا علم شريف ، فإن اللّه ما جعل في العالم هدى ، لا يصح أن يعود عمى ، فإنه أبان لمن أوصله إليه ، فما اتصف بالعمى إلا من لم يصل إليه الهدى من ربه ، ومن قيل له : هذا هدى ، لا يقال إنه وصل إليه ، حتى يكون هو الذي أنزل عليه الهدى ، وحصل له العلم بذلك ، فإن هذا لا يكون عنده عمى أبدا ، فما استحب العمى على الهدى ، إلا من هو مقلد في الأمرين لأبناء جنسه ، فالعمى يوافق طبعه ، والهدى يخالف طبعه ، فلذلك يؤثره عليه ، ورأيت فيها علم « من اتأد وعلى اللّه اعتمد » وهذا هو التوكل الخامس ، وهو قوله تعالى في سورة المزمل فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ، ورأيت فيها علم ما ينال بالورث ، وعلم ما ينال بالكسب ، ورأيت فيها علم الفرق بين شكر المكلف وشكر العبد ، ورأيت فيها علم تنوع الأحكام لتنوع الأزمان ، فإنه من المحال أن يقع شيء في العالم ، إلا بترتيب زماني ، وتقدم وتأخر ومفاضلة ، لأن اللّه أشهدني أسماءه ، فرأيتها تتفاضل لاشتراكها في أمور ، وتميزها في أمور مع الاشتراك ، وكل اسم لا يقع فيه اشتراك مع اسم ، لا مفاضلة بين ذينك الاسمين ، فاعلم ذلك ، فإنه علم عزيز ، ورأيت فيها علم تسليط العالم بعضه على بعض ، وما سببه ، فرأيته من حكم الأسماء الإلهية ، في طلبها ظهورها وولايتها ، وما هي عليها من الغيرة ، ورأيتها تستعين بالمشارك لها من الأسماء ، فهي المعانة المعينة ، ولذلك خرج الخلق على صورتها ، فمنها المعان والمعين ، ولما وقع الأمر هكذا ، خاطبهم بحكم التعاون فقال وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى فيكون ما فطروا عليه عبادة ، فإنهم قد يتعاونون بتلك الحقيقة على الإثم والعدوان ، ورأيت علم الجبر ، فرأيته آخر ما تنتهي إليه المعاذر ، وهو سبب مآل الخلق إلى الرحمة ، فإن اللّه يعذر خلقه بذلك فيما كان منهم ، فإنهم لا يبقى منهم إلا التضرع الطبيعي ، ولولا أن نشء الآخرة مثل نشء الدنيا ، ذو جسم طبيعي