محمود محمود الغراب
96
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
فرأيت فيها من العلوم ، علم أحدية عبودية التشريف ، ولم أكن رأيته قبل ذلك ، وإنما كنت رأيت جمعية العبودية ، ورأيت علم الغيب بعين الشهادة ، وأين منقطع الغيب من العالم ، ويرجع الكل في حق العبد شهادة ، وأعني بالغيب غيب الوجود ، أي ما هو في الوجود وهو مغيب عن بعض الأبصار والبصائر « 1 » ، وأما غيب ما ليس بموجود ، فمفتاح ذلك الغيب لا يعلمه إلا هو تعالى ، ورأيت فيه علم القرب والبعد ، ممن وعمن ؟ ورأيت فيه علم خزائن مزيد العلوم ، وتنزلها على قلوب العارفين ، وبمن تحق « 2 » ، ومن يقسمها على القلوب ، وما ينزل منها عن سؤال وعن غير سؤال ، فإذا سأل الإنسان مزيد العلم ، فليسأل كما أمر اللّه تعالى نبيه أن يسأل ، إذ قال له وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فنكر ولم يعين ، فعمّ ، فأي علم نزل عليه دخل تحت هذا السؤال ، فإن النزول عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال ، فإن في ذلك إدراك البغية وذلة الافتقار ، وإعطاء الربوبية حقها والعبودة حقها ، فإن العبد مأمور أن يعطي كل شيء حقه ، كما أعطى اللّه كل شيء خلقه ، وفي العلم المنزل عن السؤال من علو المنزلة ، ما لا يقدر قدر ذلك إلا اللّه ، ورأيت علم حصر الآيات في السمع والبصر ، فإما شهود وإما خبر ، ورأيت التوراة وعلم اختصاصها بما كتبها اللّه بيده ، وتعجبت من ذلك ، كيف كتبها بيده ، ولم يحفظها من التبديل والتحريف الذي حرفه اليهود وأصحاب موسى ؟ ! فلما تعجبت من ذلك ، قيل لي في سري - أسمع الخطاب ، بل أرى المتكلم وأشهده ، في اتساع رحمة أنا فيها واقف ، وقد أحاطت بي - فقال لي : أعجب من ذلك ، أن خلق آدم بيديه ، وما حفظه من المعصية ولا من النسيان ، وأين رتبة اليد من اليدين ؟ ! فمن هذا فاعجب ! ! وما توجهت اليدان إلا على طينته وطبيعته ، وما جاءته الوسوسة إلا من طبيعته ، وعلى طبيعته توجهت اليدان ، ثم مع هذا فما حفظه مما حمله في طينته من عصاة بنيه ، فلا تعجب لتغيير اليهود التوراة ، فإن التوراة ما تغيرت في نفسها ، وإنما كتابتهم إياها وتلفظهم بها ، لحقه التغيير ، فنسب مثل ذلك إلى كلام اللّه ، فقال يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن كلام اللّه معقول عندهم ، وأبدوا في الترجمة عنه خلاف ما هو في
--> ( 1 ) مثل الملائكة والجن والجنة والنار . ( 2 ) أي : تحيط .