محمود محمود الغراب

89

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

فيما شك فيه إبراهيم ، وكما قال في لوط : يرحم اللّه أخي لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ؛ أتراه أكذبه ؟ حاشا للّه ، فإن الركن الشديد الذي أراده لوط هو القبيلة ، والركن الشديد الذي ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو اللّه ، فهذا تنبيه لك أن لا تجري نفسك فيما لا ذوق لك فيه ، مجرى من ذاق ، [ فلا تقل : لو كنت أنا عوض فلان لما قيل له كذا وقال كذا ، ما كنت أقوله ؛ لا واللّه ، بل لو نالك ما ناله ، لقلت ما قاله ، فإن الحال الأقوى حاكم على الحال الأضعف ، وقد اجتمع في يوسف - وهو رسول اللّه - حالان : حال السجن وحال كونه مفترى عليه ، والرسول يطلب أن يقرر في نفس المرسل إليه ، ما يقبل به دعاء ربه فيما يدعوه به إليه ، والذي نسب إليه معلوم عند كل أحد ، أنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم ، فلا بد أن يطلب البراءة من ذلك عندهم ، ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه ، ولم يحضر بنفسه ذلك المجلس ، حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره ، وفرق كبير بين من يحضر في مثل هذا الموطن ، وبين من لا يحضر ، فإذا كانت المرأة لم تخن يوسف في غيبته لما برأته ، وأضافت المراودة لنفسها ، لتعلم أن يوسف لم يخن العزيز في أهله ، وعلمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه ، فما برأت نفسها ، بل قالت إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فمن فتوة يوسف عليه السلام ، إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه ، وما علم قدر ذلك إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال عن نفسه « لأجبت الداعي » ثناء على يوسف ] « 1 » فقلت له : فالاشتراك في إخبار اللّه عنك إذ قال وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ولم يعين في ما ذا ، يدل في اللسان على أحدية المعنى ، فقال : ولهذا قلت للملك على لسان رسوله أن يسأل عن النسوة وشأن الأمر ، [ فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه ، وما ذكرت أنه راودها ، فزال ما كان يتوهم من ذلك ] ولما لم يسم اللّه في التعبير عن ذلك أمرا ، ولا عين في ذلك حالا ، فقلت له : لابد من الاشتراك في اللسان ؛ قال : صدقت ، فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني ، وهممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك ، فالاشتراك وقع في طلب القهر مني ومنها ، فلهذا قال وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ يعني في عين ما همّ بها ، وليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه ، دليل ذلك قولها : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وما جاء في السورة

--> ( 1 ) ما بين [ . . . . . ] كأنه من كلام الشيخ وليس من كلام يوسف عليه السلام .