محمود محمود الغراب

90

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

قط أنه راودها عن نفسها ، [ فأراه اللّه البرهان عند إرادته القهر في دفعها عنه فيما تريده منه ، فكان البرهان الذي رآه ، أن يدفع عن نفسه بالقول اللين ، كما قال لموسى وهارون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي لا تعنف عليها وتسبها ، فإنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال ] فقلت له : أفدتني أفادك اللّه ، ثم ودعته وانصرفت إلى إدريس عليه السلام « 1 » ، فسلمت عليه ، فرد وسهل ورحب ، وقال : أهلا بالوارث المحمدي ، فقلت له : كيف أبهم عليك الأمر على ما وصل إلينا ، فما علمت أمر الطوفان بحيث لا تشك فيه ، والنبي واقف مع ما يوحى به إليه « 2 » ؟ فقال وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فهذا مما أوحى به إليّ ، قلت له : وصلني عنك أنك تقول بالخرق ، فقال : فلولا الخرق ما رفعت مكانا عليا ؛ فقلت : فأين مكانتك من مكانك ؟ فقال : الظاهر عنوان الباطن « 3 » ، قلت : بلغني أنك ما طلبت من قومك إلا التوحيد لا غير ، قال : وما فعلوا ، فإني كنت نبيا أدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد ، فإن التوحيد ما أنكره أحد ؛ قلت : هذا غريب ! ! ثم قلت : يا واضع الحكم ، والاجتهاد في الفروع مشروع عندنا ، وأنا لسان علماء الزمان ، قال : وفي الأصول مشروع ، فإن اللّه أجلّ أن يكلف نفسا إلا وسعها « 4 » ؛ قلت : فلقد كثر الاختلاف في الحق والمقالات فيه ، قال : لا يكون إلا كذلك ، فإن الأمر تابع للمزاج ؛ قلت : فرأيتكم معاشر الأنبياء ما اختلفتم فيه ؛ فقال : لأنّا ما قلناه عن نظر ، وإنما قلناه عن إل واحد ، فمن علم الحقائق ، علم أن اتفاق الأنبياء أجمعهم على قول واحد في اللّه ، بمنزلة قول واحد من أصحاب النظر ، قلت : فهل الأمر في نفسه كما قيل لكم ، فإن أدلة العقول تحيل أمورا مما جئتم به في ذلك ؟ فقال : الأمر كما قيل

--> ( 1 ) يشير إلى السماء الرابعة . ( 2 ) إدريس عليه السلام كان نبيا قبل نوح عليه السلام ، وكان قد أخبر قومه عن الطوفان ، لما تحققه من العلم بدقائق الفلك ، وربط العالم بعضه ببعض . ( 3 ) السماء الرابعة هي المكان الذي يدور عليه رحى عالم الأفلاك ، تحته سبعة أفلاك وفوقه سبعة أفلاك ، وإدريس عليه السلام ما مات إلى الآن ، بل رفعه اللّه مكانا عليا . ( 4 ) يشير إلى قوله تعالى وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ ، فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ والبرهان على قدر الصادق في اجتهاده .